فِيهِ خَمْس مَسَائِل : الْأُولَى : | قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ | أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّد لِأُمَّتِك : أَوْحَى اللَّه إِلَيَّ عَلَى لِسَان جِبْرِيل | أَنَّهُ اِسْتَمَعَ | إِلَيَّ | نَفَر مِنْ الْجِنّ | وَمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَام عَالِمًا بِهِ قَبْل أَنْ أُوحَى إِلَيْهِ . هَكَذَا قَالَ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره عَلَى مَا يَأْتِي .</p><p>وَقَرَأَ اِبْن أَبِي عَبْلَة |أُحِيَ | عَلَى الْأَصْل ; يُقَال أَوْحَى إِلَيْهِ وَوَحَى , فَقُلِبَتْ الْوَاو هَمْزَة , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَإِذَا الرُّسُل أُقِّتَتْ | [ الْمُرْسَلَات : 11 ] وَهُوَ مِنْ الْقَلْب الْمُطْلَق جَوَازه فِي كُلّ وَاو مَضْمُومَة . وَقَدْ أَطْلَقَهُ الْمَازِنِيّ فِي الْمَكْسُورَة أَيْضًا كَإِشَاحٍ وَإِسَادَة وَإِعَاءِ أَخِيهِ وَنَحْوه .</p><p>الثَّانِيَة وَاخْتُلِفَ هَلْ رَآهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا ؟ فَظَاهِر الْقُرْآن يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُمْ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | اِسْتَمَعَ | , وَقَوْله تَعَالَى : | وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْك نَفَرًا مِنْ الْجِنّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآن | [ الْأَحْقَاف : 29 ] .</p><p>وَفِي صَحِيح مُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : مَا قَرَأَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْجِنّ وَمَا رَآهُمْ , اِنْطَلَقَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَة مِنْ أَصْحَابه عَامِدِينَ إِلَى سُوق عِكَاظ , وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِين وَبَيْنَ خَبَر السَّمَاء , وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُب , فَرَجَعَتْ الشَّيَاطِين إِلَى قَوْمهمْ ; فَقَالُوا : مَا لَكُمْ ؟ قَالُوا : حِيلَ بَيْننَا وَبَيْنَ خَبَر السَّمَاء , وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُب ! قَالُوا : مَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ شَيْء حَدَثَ , فَاضْرِبُوا مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا , فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَال بَيْننَا وَبَيْنَ خَبَر السَّمَاء ؟ فَانْطَلَقُوا يَضْرِبُونَ مَشَارِق الْأَرْض وَمَغَارِبهَا , فَمَرَّ النَّفَر الَّذِينَ أَخَذُوا نَحْو تِهَامَة وَهُوَ بِنَخْلَةٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوق عُكَاظ , وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاة الْفَجْر ; فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآن اِسْتَمَعُوا لَهُ وَقَالُوا : هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْننَا وَبَيْنَ خَبَر السَّمَاء . فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمهمْ فَقَالُوا : يَا قَوْمنَا : | إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا . يَهْدِي إِلَى الرُّشْد فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِك بِرَبِّنَا أَحَدًا | فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : | قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَر مِنْ الْجِنّ | : رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَوْل الْجِنّ لِقَوْمِهِمْ : | لَمَّا قَامَ عَبْد اللَّه يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا | قَالَ : لَمَّا رَأَوْهُ يُصَلِّي وَأَصْحَابه يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ فَيَسْجُدُونَ بِسُجُودِهِ قَالَ : تَعَجَّبُوا مِنْ طَوَاعِيَة أَصْحَابه لَهُ , قَالُوا لِقَوْمِهِمْ : | لَمَّا قَامَ عَبْد اللَّه يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا | [ الْجِنّ : 19 ] . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح ; فَفِي هَذَا الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَرَ الْجِنّ وَلَكِنَّهُمْ حَضَرُوهُ , وَسَمِعُوا قِرَاءَته . وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْجِنّ كَانُوا مَعَ الشَّيَاطِين حِينَ تَجَسَّسُوا الْخَبَر بِسَبَبِ الشَّيَاطِين لَمَّا رُمُوا بِالشُّهُبِ . وَكَانَ الْمَرْمِيُّونَ بِالشُّهُبِ مِنْ الْجِنّ أَيْضًا .</p><p>وَقِيلَ لَهُمْ شَيَاطِين كَمَا قَالَ : | شَيَاطِين الْإِنْس وَالْجِنّ | [ الْأَنْعَام : 112 ] فَإِنَّ الشَّيْطَان كُلّ مُتَمَرِّد وَخَارِج عَنْ طَاعَة اللَّه . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ الْجِنّ يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاء يَسْتَمِعُونَ إِلَى الْوَحْي فَإِذَا سَمِعُوا الْكَلِمَة زَادُوا فِيهَا تِسْعًا , فَأَمَّا الْكَلِمَة فَتَكُون حَقًّا , وَأَمَّا مَا زَادُوا فِيهَا , فَيَكُون بَاطِلًا . فَلَمَّا بُعِثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعُوا مَقَاعِدهمْ , فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْلِيسَ وَلَمْ تَكُنْ النُّجُوم يُرْمَى بِهَا قَبْل ذَلِكَ , فَقَالَ لَهُمْ إِبْلِيس : مَا هَذَا الْأَمْر إِلَّا مِنْ أَمْر قَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْض ! فَبَعَثَ جُنُوده فَوَجَدُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا يُصَلِّي بَيْنَ جَبَلَيْنِ - أَرَاهُ قَالَ بِمَكَّة - فَأَتَوْهُ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ : هَذَا الْحَدِيث الَّذِي حَدَثَ فِي الْأَرْض . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيث عَلَى أَنَّ الْجِنّ رُمُوا كَمَا رُمِيَتْ الشَّيَاطِين . وَفِي رِوَايَة السُّدِّيّ : إِنَّهُمْ لَمَّا رُمُوا أَتَوْا إِبْلِيس فَأَخْبَرُوهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرهمْ فَقَالَ : اِيتُونِي مِنْ كُلّ أَرْض بِقَبْضَةٍ مِنْ تُرَاب أَشُمّهَا فَأَتَوْهُ فَشَمَّ فَقَالَ : صَاحِبكُمْ بِمَكَّة . فَبَعَثَ نَفَرًا مِنْ الْجِنّ , قِيلَ : كَانُوا سَبْعَة . وَقِيلَ : تِسْعَة مِنْهُمْ زَوْبَعَة .</p><p>وَرَوَى أَيْضًا عَاصِم عَنْ زِرّ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَة نَفَر ; ثَلَاثَة مِنْ أَهْل حَرَّان وَأَرْبَعَة مِنْ أَهْل نَصِيبِين . وَحَكَى جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك : أَنَّهُمْ كَانُوا تِسْعَة مِنْ أَهْل نَصِيبِين ( قَرْيَة بِالْيَمَنِ غَيْر الَّتِي بِالْعِرَاقِ ) . وَقِيلَ : إِنَّ الْجِنّ الَّذِينَ أَتَوْا مَكَّة جِنّ نَصِيبِين , وَاَلَّذِينَ أَتَوْهُ بِنَخْلَةٍ جِنّ نِينَوَى . وَقَدْ مَضَى بَيَان هَذَا فِي سُورَة ( الْأَحْقَاف ) . قَالَ عِكْرِمَة : وَالسُّورَة الَّتِي كَانَ يَقْرَؤُهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : | اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبّك | [ الْعَلَق : 1 ] وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة | الْأَحْقَاف | التَّعْرِيف بِاسْمِ النَّفَر مِنْ الْجِنّ , فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ ذَلِكَ .</p><p>وَقِيلَ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى الْجِنّ لَيْلَة الْجِنّ وَهُوَ أَثْبَت ; رَوَى عَامِر الشَّعْبِيّ قَالَ : سَأَلْت عَلْقَمَة هَلْ كَانَ اِبْن مَسْعُود شَهِدَ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْجِنّ ؟ فَقَالَ عَلْقَمَة : أَنَا سَأَلْت اِبْن مَسْعُود فَقُلْت : هَلْ شَهِدَ أَحَد مِنْكُمْ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْجِنّ ؟ قَالَ : لَا , وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات لَيْلَة فَفَقَدْنَاهُ , فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَة وَالشِّعَاب , فَقُلْنَا اُسْتُطِيرَ أَوْ اُغْتِيلَ , قَالَ : فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَة بَاتَ بِهَا قَوْم , فَلَمَّا أَصْبَحَ إِذَا هُوَ يَجِيء مِنْ قِبَل حِرَاء , فَقُلْنَا : يَا رَسُول اللَّه ! فَقَدْنَاك وَطَلَبْنَاك فَلَمْ نَجِدك , فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَة بَاتَ بِهَا قَوْم ; فَقَالَ : [ أَتَانِي دَاعِي الْجِنّ فَذَهَبْت مَعَهُ فَقَرَأْت عَلَيْهِمْ الْقُرْآن ] فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارهمْ وَآثَار نِيرَانهمْ , وَسَأَلُوهُ الزَّاد وَكَانُوا مِنْ جِنّ الْجَزِيرَة , فَقَالَ : ( لَكُمْ كُلّ عَظْم ذُكِرَ اِسْم اللَّه عَلَيْهِ يَقَع فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَر مَا يَكُون لَحْمًا , وَكُلّ بَعْرَة عَلَف لِدَوَابِّكُمْ - فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا , فَإِنَّهُمَا طَعَام إِخْوَانكُمْ الْجِنّ ) قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَابْن مَسْعُود أَعْرَف مِنْ اِبْن عَبَّاس ; لِأَنَّهُ شَاهَدَهُ وَابْن عَبَّاس سَمِعَهُ وَلَيْسَ الْخَبَر كَالْمُعَايَنَةِ .</p><p>وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْجِنّ أَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفْعَتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا بِمَكَّة وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن مَسْعُود , وَالثَّانِيَة بِنَخْلَةٍ وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اِبْن عَبَّاس . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : الَّذِي حَكَاهُ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس إِنَّمَا هُوَ فِي أَوَّل مَا سَمِعَتْ الْجِنّ قِرَاءَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِمَتْ بِحَالِهِ , وَفِي ذَلِكَ الْوَقْت لَمْ يَقْرَأ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَرَهُمْ كَمَا حَكَاهُ , ثُمَّ أَتَاهُ دَاعِي الْجِنّ مَرَّة أُخْرَى فَذَهَبَ مَعَهُ وَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآن كَمَا حَكَاهُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَالْأَحَادِيث الصِّحَاح تَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْن مَسْعُود لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْجِنّ , وَإِنَّمَا سَارَ مَعَهُ حِينَ اِنْطَلَقَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ يُرِيه آثَار الْجِنّ وَآثَار نِيرَانهمْ . قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْر وَجْه أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ لَيْلَتئِذٍ , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة | الْأَحْقَاف | وَالْحَمْد لِلَّهِ . رُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : [ أُمِرْت أَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآن عَلَى الْجِنّ فَمَنْ يَذْهَب مَعِي ؟ ] فَسَكَتُوا , ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَة , ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَة , ثُمَّ قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : أَنَا أَذْهَب مَعَك يَا رَسُول اللَّه , فَانْطَلَقَ حَتَّى جَاءَ الْحَجُون عِنْد شِعْب أَبِي دُبّ فَخَطّ عَلَيَّ خَطًّا فَقَالَ : ( لَا تُجَاوِزهُ ) ثُمَّ مَضَى إِلَى الْحَجُون فَانْحَدَرَ عَلَيْهِ أَمْثَال الْحَجَل يَحْدُرُونَ الْحِجَارَة بِأَقْدَامِهِمْ , يَمْشُونَ يَقْرَعُونَ فِي دُفُوفهمْ كَمَا تَقْرَع النِّسْوَة فِي دُفُوفهَا , حَتَّى غَشُوهُ فَلَا أَرَاهُ , فَقُمْت فَأَوْمَى إِلَيَّ بِيَدِهِ أَنْ اِجْلِسْ , فَتَلَا الْقُرْآنَ فَلَمْ يَزَلْ صَوْته يَرْتَفِع , وَلَصِقُوا بِالْأَرْضِ حَتَّى مَا أَرَاهُمْ , فَلَمَّا اِنْفَتَلَ إِلَيَّ قَالَ : [ أَرَدْت أَنْ تَأْتِيَنِي ] ؟ قُلْت : نَعَمْ يَا رَسُول اللَّه . قَالَ : [ مَا كَانَ ذَلِكَ لَك , هَؤُلَاءِ الْجِنّ أَتَوْا يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآن , ثُمَّ وَلَّوْا إِلَى قَوْمهمْ مُنْذِرِينَ فَسَأَلُونِي الزَّاد فَزَوَّدْتهمْ الْعَظْم وَالْبَعْر فَلَا يَسْتَطِيبَنَّ أَحَدكُمْ بِعَظْمٍ وَلَا بَعْر ] .</p><p>قَالَ عِكْرِمَة : وَكَانُوا اِثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا مِنْ جَزِيرَة الْمَوْصِل . وَفِي رِوَايَة : اِنْطَلَقَ بِي عَلَيْهِ السَّلَام حَتَّى إِذَا جِئْنَا الْمَسْجِد الَّذِي عِنْد حَائِط عَوْف خَطَّ لِي خَطًّا , فَأَتَاهُ نَفَر مِنْهُمْ فَقَالَ أَصْحَابنَا كَأَنَّهُمْ رِجَال الزُّطّ وَكَأَنَّ وُجُوههمْ الْمَكَاكِيّ , فَقَالُوا : مَا أَنْتَ ؟ قَالَ : [ أَنَا نَبِيّ اللَّه ] قَالُوا : فَمَنْ يَشْهَد لَك عَلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ : [ هَذِهِ الشَّجَرَة ] فَقَالَ : [ يَا شَجَرَة ] فَجَاءَتْ تَجُرّ عُرُوقهَا , لَهَا قَعَاقِع حَتَّى اِنْتَصَبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ , فَقَالَ : [ عَلَى مَاذَا تَشْهَدِينَ ] قَالَتْ : أَشْهَد أَنَّك رَسُول اللَّه . فَرَجَعَتْ كَمَا جَاءَتْ تَجُرّ بِعُرُوقِهَا الْحِجَارَة , لَهَا قَعَاقِع حَتَّى عَادَتْ كَمَا كَانَتْ .</p><p>ثُمَّ رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا فَرَغَ وَضَعَ رَأْسه عَلَى حِجْر اِبْن مَسْعُود فَرَقَدَ ثُمَّ اِسْتَيْقَظَ فَقَالَ : [ هَلْ مِنْ وُضُوء ] قَالَ : لَا , إِلَّا أَنَّ مَعِي إِدَاوَة فِيهَا نَبِيذ . فَقَالَ : [ هَلْ هُوَ إِلَّا تَمْر وَمَاء ] فَتَوَضَّأَ مِنْهُ .</p><p>الثَّالِثَة قَدْ مَضَى الْكَلَام فِي الْمَاء فِي سُورَة | الْحِجْر | وَمَا يُسْتَنْجَى بِهِ فِي سُورَة | بَرَاءَة | فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ .</p><p>الرَّابِعَة وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم , فِي أَصْل الْجِنّ ; فَرَوَى إِسْمَاعِيل عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ أَنَّ الْجِنّ وَلَد إِبْلِيس , وَالْإِنْس وَلَد آدَم , وَمِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنُونَ وَكَافِرُونَ , وَهُمْ شُرَكَاء فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب . فَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مُؤْمِنًا فَهُوَ وَلِيّ اللَّه , وَمَنْ كَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كَافِرًا فَهُوَ شَيْطَان .</p><p>وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْجِنّ هُمْ وَلَد الْجَانّ وَلَيْسُوا بِشَيَاطِين , وَهُمْ يُؤْمِنُونَ ; وَمِنْهُمْ الْمُؤْمِن وَمِنْهُمْ الْكَافِر , وَالشَّيَاطِين هُمْ وَلَد إِبْلِيس لَا يَمُوتُونَ إِلَّا مَعَ إِبْلِيس . وَاخْتَلَفُوا فِي دُخُول مُؤْمِنِي الْجِنّ الْجَنَّة , عَلَى حَسْب الِاخْتِلَاف فِي أَصْلهمْ . فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ مِنْ الْجَانّ لَا مِنْ ذُرِّيَّة إِبْلِيس قَالَ : يَدْخُلُونَ الْجَنَّة بِإِيمَانِهِمْ . وَمَنْ قَالَ : إِنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّة إِبْلِيس فَلَهُمْ فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : وَهُوَ قَوْل الْحَسَن يَدْخُلُونَهَا . الثَّانِي : وَهُوَ رِوَايَة مُجَاهِد لَا يَدْخُلُونَهَا وَإِنْ صُرِفُوا عَنْ النَّار . حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة | الرَّحْمَن | عِنْد قَوْله تَعَالَى : | لَمْ يَطْمِثهُنَّ إِنْس قَبْلهمْ وَلَا جَانّ | [ الرَّحْمَن : 56 ] بَيَان أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا .</p><p>الْخَامِسَة قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي رِوَايَته : وَسَأَلُوهُ الزَّاد وَكَانُوا مِنْ جِنّ الْجَزِيرَة فَقَالَ : [ لَكُمْ كُلّ عَظْم ] دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ يَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ . وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَة مِنْ كَفَرَة الْأَطِبَّاء وَالْفَلَاسِفَة الْجِنّ , وَقَالُوا : إِنَّهُمْ بَسَائِط , وَلَا يَصِحّ طَعَامهمْ ; اِجْتِرَاء عَلَى اللَّه وَافْتِرَاء , وَالْقُرْآن وَالسُّنَّة تَرُدّ عَلَيْهِمْ , وَلَيْسَ فِي الْمَخْلُوقَات بَسِيط مُرَكَّب مُزْدَوَج , إِنَّمَا الْوَاحِد الْوَاحِد سُبْحَانه , وَغَيْره مُرَكَّب وَلَيْسَ بِوَاحِدٍ كَيْفَمَا تَصَرَّفَ حَاله . وَلَيْسَ يَمْتَنِع أَنْ يَرَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُوَرهمْ كَمَا يَرَى الْمَلَائِكَة . وَأَكْثَر مَا يَتَصَوَّرُونَ لَنَا فِي صُوَر الْحَيَّات ; فَفِي الْمُوَطَّأ أَنَّ رَجُلًا حَدِيث عَهْد بِعُرْسٍ اِسْتَأْذَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْصَافِ النَّهَار أَنْ يَرْجِع إِلَى أَهْله . .. الْحَدِيث , وَفِيهِ : فَإِذَا حَيَّة عَظِيمَة مُنْطَوِيَة عَلَى الْفِرَاش , فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا . وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَفِي الصَّحِيح أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : [ إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوت عَوَامِر , فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا , فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِر ] . وَقَالَ : [ اِذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبكُمْ ] وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة | الْبَقَرَة | وَبَيَان التَّحْرِيج عَلَيْهِنَّ . وَقَدْ ذَهَبَ قَوْم إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مَخْصُوص بِالْمَدِينَةِ ; لِقَوْلِهِ فِي الصَّحِيح : [ إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا ] . وَهَذَا لَفْظ مُخْتَصّ بِهَا فَيَخْتَصّ بِحُكْمِهَا . قُلْنَا : هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ غَيْرهَا مِنْ|الْبُيُوت مِثْلهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يُعَلِّل بِحُرْمَةِ الْمَدِينَة , فَيَكُون ذَلِكَ الْحُكْم مَخْصُوصًا بِهَا , وَإِنَّمَا عَلَّلَ بِالْإِسْلَامِ , وَذَلِكَ عَامّ فِي غَيْرهَا , أَلَا تَرَى قَوْله فِي الْحَدِيث مُخْبِرًا عَنْ الْجِنّ الَّذِي لَقِيَ : [ وَكَانُوا مِنْ جِنّ الْجَزِيرَة ] ; وَهَذَا بَيِّن يُعَضِّدهُ قَوْله : [ وَنَهَى عَنْ عَوَامِر الْبُيُوت ] وَهَذَا عَامّ . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة ( الْبَقَرَة ) الْقَوْل فِي هَذَا فَلَا مَعْنَى لِلْإِعَادَةِ .</p><p>قَوْله تَعَالَى : | فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا | أَيْ فِي فَصَاحَة كَلَامه . وَقِيلَ : عَجَبًا فِي بَلَاغَة مَوَاعِظه . وَقِيلَ : عَجَبًا فِي عِظَم بَرَكَته . وَقِيلَ : قُرْآنًا عَزِيزًا لَا يُوجَد مِثْله . وَقِيلَ : يَعْنُونَ عَظِيمًا .
| يَهْدِي إِلَى الرُّشْد | أَيْ إِلَى مَرَاشِد الْأُمُور . وَقِيلَ : إِلَى مَعْرِفَة اللَّه تَعَالَى ; و | يَهْدِي | فِي مَوْضِع الصِّفَة أَيْ هَادِيًا .</p><p>| فَآمَنَّا بِهِ | أَيْ فَاهْتَدَيْنَا بِهِ وَصَدَّقْنَا أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه</p><p>| وَلَنْ نُشْرِك بِرَبِّنَا أَحَدًا | أَيْ لَا نَرْجِع إِلَى إِبْلِيس وَلَا نُطِيعهُ ; لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ بَعَثَهُمْ لِيَأْتُوهُ بِالْخَبَرِ , ثُمَّ رُمِيَ الْجِنّ بِالشُّهُبِ . وَقِيلَ لَا نَتَّخِذ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر ; لِأَنَّهُ الْمُتَفَرِّد بِالرُّبُوبِيَّةِ . وَفِي هَذَا تَعْجِيب الْمُؤْمِنِينَ بِذَهَابِ مُشْرِكِي قُرَيْش عَمَّا أَدْرَكَتْهُ الْجِنّ بِتَدَبُّرِهَا الْقُرْآن . وَقَوْله تَعَالَى : | اِسْتَمَعَ نَفَر مِنْ الْجِنّ | أَيْ اِسْتَمَعُوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلِمُوا أَنَّ مَا يَقْرَؤُهُ كَلَام اللَّه . وَلَمْ يَذْكُر الْمُسْتَمَع إِلَيْهِ لِدَلَالَةِ الْحَال عَلَيْهِ . وَالنَّفَر الرَّهْط ; قَالَ الْخَلِيل : مَا بَيْنَ ثَلَاثَة إِلَى عَشَرَة . وَقَرَأَ عِيسَى الثَّقَفِيّ | يَهْدِي إِلَى الرَّشَد | بِفَتْحِ الرَّاء وَالشِّين .
قَوْله تَعَالَى : | وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا | كَانَ عَلْقَمَة وَيَحْيَى وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ وَابْن عَامِر وَخَلَف وَحَفْص وَالسُّلَمِيّ يَنْصِبُونَ | أَنَّ | فِي جَمِيع السُّورَة فِي اِثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا , وَهُوَ : | أَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا | , | وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول | , | وَأَنَّا ظَنَنَّا | , | وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال | , | وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا | , | وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء | , | وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُد | , | وَأَنَّا لَا نَدْرِي | , | وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ | , | وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ نُعْجِز اللَّه فِي الْأَرْض | , | وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى | , | وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ | عَطْفًا عَلَى قَوْله : | أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَر | , | وَأَنَّهُ اِسْتَمَعَ | لَا يَجُوز فِيهِ إِلَّا الْفَتْح ; لِأَنَّهَا فِي مَوْضِع اِسْم فَاعِل | أُوحِيَ | فَمَا بَعْده مَعْطُوف عَلَيْهِ . وَقِيلَ : هُوَ مَحْمُول عَلَى الْهَاء فِي | آمَنَّا بِهِ | , أَيْ و | بِأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا | وَجَازَ ذَلِكَ وَهُوَ مُضْمَر مَجْرُور لِكَثْرَةِ حَرْف الْجَارّ مَعَ | أَنَّ | .</p><p>وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَيْ وَصَدَّقْنَا أَنَّهُ جَدّ رَبّنَا . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ كُلّهَا بِالْكَسْرِ وَهُوَ الصَّوَاب , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو حَاتِم عَطْفًا عَلَى قَوْله : | فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا | لِأَنَّهُ كُلّه مِنْ كَلَام الْجِنّ . وَأَمَّا أَبُو جَعْفَر وَشَيْبَة فَإِنَّهُمَا فَتَحَا ثَلَاثَة مَوَاضِع ; وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : | وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا | , | وَأَنَّهُ كَانَ يَقُول | , | وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال | , قَالَا : لِأَنَّهُ مِنْ الْوَحْي , وَكَسَرَا مَا بَقِيَ ; لِأَنَّهُ مِنْ كَلَام الْجِنّ . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : | وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْد اللَّه | [ الْجِنّ : 19 ] . فَكُلّهمْ فَتَحُوا إِلَّا نَافِعًا وَشَيْبَة وَزِرّ بْن حُبَيْش وَأَبَا بَكْر وَالْمُفَضَّل عَنْ عَاصِم , فَإِنَّهُمْ كَسَرُوا لَا غَيْر . وَلَا خِلَاف فِي فَتْح هَمْزَة | أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَر مِنْ الْجِنّ | , | وَأَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا | | وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ | , | وَأَنْ قَدْ أَبْلَغُوا | . وَكَذَلِكَ لَا خِلَاف فِي كَسْر مَا بَعْد الْقَوْل ; نَحْو قَوْله تَعَالَى : | فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا | و | قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي | [ الْجِنّ : 20 ] و | قُلْ إِنْ أَدْرِي | [ الْجِنّ : 25 ] . و | قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِك | [ الْجِنّ : 21 ] . وَكَذَلِكَ لَا خِلَاف فِي كَسْر مَا كَانَ بَعْد فَاء الْجَزَاء ; نَحْو قَوْله تَعَالَى : | فَإِنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم | [ الْجِنّ : 23 ] و | فَإِنَّهُ يَسْلُك مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ | [ الْجِنّ : 27 ] . لِأَنَّهُ مَوْضِع اِبْتِدَاء .</p><p>| وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا | الْجَدّ فِي اللُّغَة : الْعَظَمَة وَالْجَلَال ; وَمِنْهُ قَوْل أَنَس : كَانَ الرَّجُل إِذَا حَفِظَ الْبَقَرَة وَآل عِمْرَان جَدَّ فِي عُيُوننَا ; أَيْ عَظُمَ وَجَلَّ . فَمَعْنَى : | جَدّ رَبّنَا | أَيْ عَظَمَته وَجَلَاله ; قَالَ عِكْرِمَة وَمُجَاهِد وَقَتَادَة . وَعَنْ مُجَاهِد أَيْضًا : ذَكَرَهُ . وَقَالَ أَنَس بْن مَالِك وَالْحَسَن وَعِكْرِمَة أَيْضًا : غِنَاهُ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْحَظِّ جَدّ , وَرَجُل مَجْدُود أَيْ مَحْظُوظ ; وَفِي الْحَدِيث : [ وَلَا يَنْفَع ذَا الْجَدّ مِنْك الْجَدّ ] قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْخَلِيل : أَيْ ذَا الْغِنَى , مِنْك الْغِنَى , إِنَّمَا تَنْفَعهُ الطَّاعَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قُدْرَته . الضَّحَّاك : فِعْله . وَقَالَ الْقُرَظِيّ وَالضَّحَّاك أَيْضًا : آلَاؤُهُ وَنِعَمه عَلَى خَلْقه . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَالْأَخْفَش مُلْكه وَسُلْطَانه . وَقَالَ السُّدِّيّ : أَمْره . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : | وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدّ رَبّنَا | أَيْ تَعَالَى رَبّنَا . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ عَنَوْا بِذَلِكَ الْجَدّ الَّذِي هُوَ أَب الْأَب , وَيَكُون هَذَا مِنْ قَوْل الْجِنّ . وَقَالَ مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن وَابْنه جَعْفَر الصَّادِق وَالرَّبِيع : لَيْسَ لِلَّهِ تَعَالَى جَدّ , وَإِنَّمَا قَالَتْهُ الْجِنّ لِلْجَهَالَةِ , فَلَمْ يُؤَاخَذُوا بِهِ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَيَجُوز إِطْلَاق لَفْظ الْجَدّ فِي حَقّ اللَّه تَعَالَى ; إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآن , غَيْر أَنَّهُ لَفْظ مُوهِم , فَتَجَنُّبه أَوْلَى . وَقِرَاءَة عِكْرِمَة | جِدّ | بِكَسْرِ الْجِيم : عَلَى ضِدّ الْهَزْل . وَكَذَلِكَ قَرَأَ أَبُو حَيْوَةَ وَمُحَمَّد بْن السَّمَيْقَع . وَيُرْوَى عَنْ اِبْن السَّمَيْقَع أَيْضًا وَأَبِي الْأَشْهَب | جَدَا رَبّنَا | , وَهُوَ الْجَدْوَى وَالْمَنْفَعَة . وَقَرَأَ عِكْرِمَة أَيْضًا | جَدًّا | بِالتَّنْوِينِ | رَبُّنَا | بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوع , | بِتَعَالَى | , و | جَدًّا | مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز . وَعَنْ عِكْرِمَة أَيْضًا | جَدٌّ | بِالتَّنْوِينِ وَالرَّفْع | رَبُّنَا | بِالرَّفْعِ عَلَى تَقْدِير : تَعَالَى جَدّ جَدّ رَبّنَا ; فَجَدّ الثَّانِي بَدَل مِنْ الْأَوَّل وَحُذِفَ وَأُقِيمَ الْمُضَاف إِلَيْهِ مُقَامه . وَمَعْنَى الْآيَة : وَأَنَّهُ تَعَالَى جَلَال رَبّنَا أَنْ يَتَّخِذ صَاحِبَة وَوَلَدًا لِلِاسْتِئْنَاسِ بِهِمَا وَالْحَاجَة إِلَيْهِمَا , وَالرَّبّ يَتَعَالَى عَنْ الْأَنْدَاد وَالنُّظَرَاء .
الْهَاء فِي | أَنَّهُ | لِلْأَمْرِ أَوْ الْحَدِيث , وَفِي | كَانَ | اِسْمهَا , وَمَا بَعْدهَا الْخَبَر . وَيَجُوز أَنْ تَكُون | كَانَ | زَائِدَة . وَالسَّفِيه هُنَا إِبْلِيس فِي قَوْل مُجَاهِد وَابْن جُرَيْج وَقَتَادَة . وَرَوَاهُ أَبُو بُرْدَة بْن أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : الْمُشْرِكُونَ مِنْ الْجِنّ : قَالَ قَتَادَة : عَصَاهُ سَفِيه الْجِنّ كَمَا عَصَاهُ سَفِيه الْإِنْس . وَالشَّطَط وَالِاشْتِطَاط : الْغُلُوّ فِي الْكُفْر . وَقَالَ أَبُو مَالِك : هُوَ الْجَوْر . الْكَلْبِيّ : هُوَ الْكَذِب . وَأَصْله الْعَبْد فَيُعَبَّر بِهِ عَنْ الْجَوْر لِبُعْدِهِ عَنْ الْعَدْل , وَعَنْ الْكَذِب لِبُعْدِهِ عَنْ الصِّدْق ; قَالَ الشَّاعِر : <br>بِأَيَّةِ حَال حَكَمُوا فِيك فَاشْتَطُّوا .......... وَمَا ذَاكَ إِلَّا حَيْثُ يَمَّمَك الْوَخْط<br>
| وَأَنَّا ظَنَنَّا | أَيْ حَسِبْنَا | أَنْ لَنْ تَقُول الْإِنْس وَالْجِنّ عَلَى اللَّه كَذِبًا | , فَلِذَلِكَ صَدَّقْنَاهُمْ فِي أَنَّ لِلَّهِ صَاحِبَة وَوَلَدًا , حَتَّى سَمِعْنَا الْقُرْآن وَتَبَيَّنَّا بِهِ الْحَقّ . وَقَرَأَ يَعْقُوب وَالْجَحْدَرِيّ وَابْن أَبِي إِسْحَاق | أَنْ لَنْ تَقَوَّلَ | .
وَقِيلَ : اِنْقَطَعَ الْإِخْبَار عَنْ الْجِنّ هَاهُنَا فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : | وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال مِنْ الْإِنْس | فَمَنْ فَتَحَ وَجَعَلَهُ مِنْ قَوْل الْجِنّ رَدَّهَا إِلَى قَوْله : | أَنَّهُ اِسْتَمَعَ | [ الْجِنّ : 1 ] , وَمَنْ كَسَرَ جَعَلَهَا مُبْتَدَأ مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى . وَالْمُرَاد بِهِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ قَوْل الرَّجُل إِذَا نَزَلَ بِوَادٍ : أَعُوذ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِي مِنْ شَرّ سُفَهَاء قَوْمه ; فَيَبِيت فِي جِوَاره حَتَّى يُصْبِح ; قَالَهُ الْحَسَن وَابْن زَيْد وَغَيْرهمَا .</p><p>قَالَ مُقَاتِل : كَانَ أَوَّل مَنْ تَعَوَّذَ بِالْجِنِّ قَوْم مِنْ أَهْل الْيَمَن , ثُمَّ مِنْ بَنِي حَنِيفَة , ثُمَّ فَشَا ذَلِكَ فِي الْعَرَب , فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام عَاذُوا بِاَللَّهِ وَتَرَكُوهُمْ . وَقَالَ كَرْدَم بْن أَبِي السَّائِب : خَرَجْت مَعَ أَبِي إِلَى الْمَدِينَة أَوَّل مَا ذُكِرَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَآوَانَا الْمَبِيت إِلَى رَاعِي غَنَم , فَلَمَّا اِنْتَصَفَ اللَّيْل جَاءَ الذِّئْب فَحَمَلَ حَمَلًا مِنْ الْغَنَم , فَقَالَ الرَّاعِي : يَا عَامِر الْوَادِي , [ أَنَا ] جَارُك . فَنَادَى مُنَادٍ يَا سَرْحَان أَرْسِلْهُ , فَأَتَى الْحَمَل يَشْتَدّ . وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَى رَسُوله بِمَكَّة : | وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال مِنْ الْإِنْس يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا | أَيْ زَادَ الْجِنّ الْإِنْس | رَهَقًا | أَيْ خَطِيئَة وَإِثْمًا ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة . وَالرَّهَق : الْإِثْم فِي كَلَام الْعَرَب وَغِشْيَان الْمَحَارِم ; وَرَجُل رَهِق إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : | وَتَرْهَقهُمْ ذِلَّة | [ يُونُس : 27 ] وَقَالَ الْأَعْشَى : <br>لَا شَيْء يَنْفَعنِي مِنْ دُون رُؤْيَتهَا .......... هَلْ يَشْتَفِي وَامِق مَا لَمْ يُصِبْ رَهَقًا <br>يَعْنِي إِثْمًا . وَأُضِيفَتْ الزِّيَادَة إِلَى الْجِنّ إِذْ كَانُوا سَبَبًا لَهَا . وَقَالَ مُجَاهِد أَيْضًا : | فَزَادُوهُمْ | أَيْ إِنَّ الْإِنْس زَادُوا الْجِنّ طُغْيَانًا بِهَذَا التَّعَوُّذ , حَتَّى قَالَتْ الْجِنّ : سُدْنَا الْإِنْس وَالْجِنّ . وَقَالَ قَتَادَة أَيْضًا وَأَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع وَابْن زَيْد : اِزْدَادَ الْإِنْس بِهَذَا فَرَقًا وَخَوْفًا مِنْ الْجِنّ .</p><p>وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : كُفْرًا . وَلَا خَفَاء أَنَّ الِاسْتِعَاذَة بِالْجِنِّ دُون الِاسْتِعَاذَة بِاَللَّهِ كُفْر وَشِرْك . وَقِيلَ : لَا يُطْلَق لَفْظ الرِّجَال عَلَى الْجِنّ ; فَالْمَعْنَى : وَأَنَّهُ كَانَ رِجَال مِنْ الْإِنْس يَعُوذُونَ مِنْ شَرّ الْجِنّ بِرِجَالٍ مِنْ الْإِنْس , وَكَانَ الرَّجُل مِنْ الْإِنْس يَقُول مَثَلًا : أَعُوذ بِحُذَيْفَة بْن بَدْر مِنْ جِنّ هَذَا الْوَادِي . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَفِي هَذَا تَحَكُّم إِذْ لَا يَبْعُد إِطْلَاق لَفْظ الرِّجَال عَلَى الْجِنّ .
هَذَا مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى لِلْإِنْسِ أَيْ وَأَنَّ الْجِنّ ظَنُّوا أَنْ لَنْ يَبْعَث اللَّه الْخَلْق كَمَا ظَنَنْتُمْ . الْكَلْبِيّ : الْمَعْنَى : ظَنَّتْ الْجِنّ كَمَا ظَنَّتْ الْإِنْس أَنْ لَنْ يَبْعَث اللَّه رَسُولًا إِلَى خَلْقه يُقِيم بِهِ الْحُجَّة عَلَيْهِمْ . وَكُلّ هَذَا تَوْكِيد لِلْحُجَّةِ عَلَى قُرَيْش ; أَيْ إِذَا آمَنَ هَؤُلَاءِ الْجِنّ بِمُحَمَّدٍ , فَأَنْتُمْ أَحَقّ بِذَلِكَ .
| وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء | هَذَا مِنْ قَوْل الْجِنّ ; أَيْ طَلَبْنَا خَبَرَهَا كَمَا جَرَتْ عَادَتُنَا | فَوَجَدْنَاهَا | قَدْ | مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا | أَيْ حَفَظَة , يَعْنِي الْمَلَائِكَة . وَالْحَرَس : جَمْع حَارِس | وَشُهُبًا | جَمْع شِهَاب , وَهُوَ اِنْقِضَاض الْكَوَاكِب الْمُحْرِقَة لَهُمْ عَنْ اِسْتِرَاق السَّمْع . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِيهِ فِي سُورَة | الْحِجْر | | وَالصَّافَّات | . | وَوَجَدَ | يَجُوز أَنْ يُقَدَّر مُتَعَدِّيًا إِلَى مَفْعُولَيْنِ , فَالْأَوَّل الْهَاء وَالْأَلِف , و | مُلِئَتْ | فِي مَوْضِع الْمَفْعُول الثَّانِي . وَيَجُوز أَنْ يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُول وَاحِد وَيَكُون | مُلِئَتْ | فِي مَوْضِع الْحَال عَلَى إِضْمَار قَدْ . و | حَرَسًا | نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُول الثَّانِي | بِمُلِئَتْ | . و | شَدِيدًا | مِنْ نَعْت الْحَرَس , أَيْ مُلِئَتْ مَلَائِكَة شِدَادًا . وَوَحَّدَ الشَّدِيد عَلَى لَفْظ الْحَرَس ; وَهُوَ كَمَا يُقَال : السَّلَف الصَّالِح بِمَعْنَى الصَّالِحِينَ , وَجَمْع السَّلَف أَسْلَاف وَجَمْع الْحَرَس أَحْرَاس ; قَالَ : <br>( تَجَاوَزْت أَحْرَاسًا وَأَهْوَال مَعْشَر ) <br>وَيَجُوز أَنْ يَكُون | حَرَسًا | مَصْدَرًا عَلَى مَعْنَى حُرِسَتْ حِرَاسَة شَدِيدَة .
|مِنْهَا | أَيْ مِنْ السَّمَاء , و | مَقَاعِد | : مَوَاضِع يُقْعَد فِي مِثْلهَا لِاسْتِمَاعِ الْأَخْبَار مِنْ السَّمَاء ; يَعْنِي أَنَّ مَرَدَة الْجِنّ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيَسْتَمِعُوا مِنْ الْمَلَائِكَة أَخْبَار السَّمَاء حَتَّى يُلْقُوهَا إِلَى الْكَهَنَة عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه , فَحَرَسهَا اللَّه تَعَالَى حِينَ بَعَثَ رَسُولَهُ بِالشُّهُبِ الْمُحْرِقَة , فَقَالَتْ الْجِنّ حِينَئِذٍ : | فَمَنْ يَسْتَمِع الْآن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا | يَعْنِي بِالشِّهَابِ : الْكَوْكَب الْمُحْرِق ; وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان ذَلِكَ .</p><p>وَيُقَال : لَمْ يَكُنْ اِنْقِضَاض الْكَوَاكِب إِلَّا بَعْد مَبْعَث النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آيَة مِنْ آيَاته . وَاخْتَلَفَ السَّلَف هَلْ كَانَتْ الشَّيَاطِين تَقْذِف قَبْل الْمَبْعَث , أَوَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا حَدَثَ لِمَبْعَثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ الْكَلْبِيّ وَقَالَ قَوْم : لَمْ تَكُنْ تُحْرَس السَّمَاء فِي الْفَتْرَة بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّد صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمَا وَسَلَامه : خَمْسمِائَةِ عَام , وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْل بَعْثَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعُوا مِنْ السَّمَوَات كُلّهَا , وَحُرِسَتْ بِالْمَلَائِكَةِ وَالشُّهُب . قُلْت : وَرَوَاهُ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس ; ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيّ . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : لَمَّا كَانَ الْيَوْم الَّذِي نُبِّئَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعَتْ الشَّيَاطِين , وَرُمُوا بِالشُّهُبِ , وَقَالَ عَبْد الْمَلِك بْن سَابُور : لَمْ تَكُنْ السَّمَاء تُحْرَس فِي الْفَتْرَة بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُرِسَتْ السَّمَاء , وَرُمِيَتْ الشَّيَاطِين بِالشُّهُبِ , وَمُنِعَتْ عَنْ الدُّنُوّ مِنْ السَّمَاء .</p><p>وَقَالَ نَافِع بْن جُبَيْر : كَانَتْ الشَّيَاطِين فِي الْفَتْرَة تَسْمَع فَلَا تُرْمَى , فَلَمَّا بُعِثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ . وَنَحْوه عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : لَمْ يَرْمِ بِنَجْمٍ مُنْذُ رُفِعَ عِيسَى حَتَّى نُبِّئَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُمِيَ بِهَا . وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْل الْمَبْعَث , وَإِنَّمَا زَادَتْ بِمَبْعَثِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْذَارًا بِحَالِهِ ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : | مُلِئَتْ | أَيْ زِيدَ فِي حَرَسهَا ; وَقَالَ أَوْس بْن حُجْر وَهُوَ جَاهِلِيّ : <br>فَانْقَضَّ كَالدُّرِّيِّ يَتْبَعهُ .......... نَقْع يَثُور تَخَالهُ طُنُبَا <br>وَهَذَا قَوْل الْأَكْثَرِينَ . وَقَدْ أَنْكَرَ الْجَاحِظ هَذَا الْبَيْت وَقَالَ : كُلّ شِعْر رُوِيَ فِيهِ فَهُوَ مَصْنُوع , وَأَنَّ الرَّمْي لَمْ يَكُنْ قَبْل الْمَبْعَث . وَالْقَوْل بِالرَّمْيِ أَصَحّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا | . وَهَذَا إِخْبَار عَنْ الْجِنّ , أَنَّهُ زِيدَ فِي حَرَس السَّمَاء حَتَّى اِمْتَلَأَتْ مِنْهَا وَمِنْهُمْ ; وَلِمَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : بَيْنَمَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِس فِي نَفَر مِنْ أَصْحَابه إِذْ رُمِيَ بِنَجْمٍ ; فَقَالَ : [ مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي مِثْل هَذَا فِي الْجَاهِلِيَّة ] ؟ قَالُوا : كُنَّا نَقُول يَمُوت عَظِيم أَوْ يُولَد عَظِيم . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ إِنَّهَا لَا تُرْمَى لِمَوْتِ أَحَد وَلَا لِحَيَاتِهِ , وَلَكِنَّ رَبّنَا سُبْحَانه وَتَعَالَى إِذَا قَضَى أَمْرًا فِي السَّمَاء سَبَّحَ حَمَلَة الْعَرْش ثُمَّ سَبَّحَ أَهْل كُلّ سَمَاء , حَتَّى يَنْتَهِيَ التَّسْبِيح إِلَى هَذِهِ السَّمَاء وَيَسْتَخْبِر أَهْل السَّمَاء حَمَلَة الْعَرْش مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ فَيُخْبِرُونَهُمْ وَيُخْبِر أَهْل كُلّ سَمَاء حَتَّى يَنْتَهِيَ الْخَبَر إِلَى هَذِهِ , فَتَتَخَطَّفَ الْجِنّ فَيَرْمُونَ فَمَا جَاءُوا بِهِ فَهُوَ حَقّ وَلَكِنَّهُمْ يَزِيدُونَ فِيهِ ] .</p><p>وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الرَّجْم كَانَ قَبْل الْمَبْعَث . وَرَوَى الزُّهْرِيّ نَحْوه عَنْ عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَفِي آخِره قِيلَ لِلزَّهْرِيِّ : أَكَانَ يُرْمَى فِي الْجَاهِلِيَّة ؟ قَالَ : نَعَمْ . قُلْت : أَفَرَأَيْت قَوْله سُبْحَانه : | وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُد مِنْهَا مَقَاعِد لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِع الْآن يَجِد لَهُ شِهَابًا رَصَدًا | قَالَ : غَلُظَتْ وَشُدِّدَ أَمْرهَا حِينَ بُعِثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَنَحْوه قَالَ الْقُتَبِيّ . قَالَ اِبْن قُتَيْبَة : كَانَ وَلَكِنْ اِشْتَدَّتْ الْحِرَاسَة بَعْد الْمَبْعَث ; وَكَانُوا مِنْ قَبْل يَسْتَرِقُونَ وَيُرْمَوْنَ فِي بَعْض الْأَحْوَال , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنِعَتْ مِنْ ذَلِكَ أَصْلًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَان هَذَا فِي سُورَة | الصَّافَّات | عِنْد قَوْله : | وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلّ جَانِب . دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَاب وَاصِب | [ الصَّافَّات : 8 - 9 ] قَالَ الْحَافِظ : فَلَوْ قَالَ قَائِل : كَيْفَ تَتَعَرَّض الْجِنّ لِإِحْرَاقِ نَفْسهَا بِسَبَبِ اِسْتِمَاع خَبَر , بَعْد أَنْ صَارَ ذَلِكَ مَعْلُومًا لَهُمْ ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ اللَّه تَعَالَى يُنْسِيهِمْ ذَلِكَ حَتَّى تَعْظُم الْمِحْنَة , كَمَا يَنْسَى إِبْلِيس فِي كُلّ وَقْت أَنَّهُ لَا يُسْلِم , وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ لَهُ : | وَإِنَّ عَلَيْك اللَّعْنَة إِلَى يَوْم الدِّين | [ الْحِجْر : 35 ] وَلَوْلَا هَذَا لَمَا تَحَقَّقَ التَّكْلِيف . وَالرَّصَد : قِيلَ مِنْ الْمَلَائِكَة ; أَيْ وَرَصَدًا مِنْ الْمَلَائِكَة .</p><p>وَالرَّصَد : الْحَافِظ لِلشَّيْءِ وَالْجَمْع أَرْصَاد , وَفِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع يَجُوز أَنْ يَكُون جَمْعًا كَالْحَرَسِ , وَالْوَاحِد : رَاصِد . وَقِيلَ : الرَّصَد هُوَ الشِّهَاب , أَيْ شِهَابًا قَدْ أُرْصِدَ لَهُ , لِيُرْجَم بِهِ ; فَهُوَ فَعَلٌ بِمَعْنَى مَفْعُول كَالْخَبَطِ وَالنَّفَض .
|وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْض | أَيْ هَذَا الْحَرَس الَّذِي حُرِسَتْ بِهِمْ السَّمَاء</p><p>| أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبّهمْ رَشَدًا | أَيْ خَيْرًا . قَالَ اِبْن زَيْد . قَالَ إِبْلِيس لَا نَدْرِي , هَلْ أَرَادَ اللَّه بِهَذَا الْمَنْع أَنْ يُنَزِّل عَلَى أَهْل الْأَرْض عَذَابًا أَوْ يُرْسِل إِلَيْهِمْ رَسُولًا . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل الْجِنّ فِيمَا بَيْنهمْ قَبْل أَنْ يَسْمَعُوا قِرَاءَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَيْ لَا نَدْرِي أَشَرّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْض بِإِرْسَالِ مُحَمَّد إِلَيْهِمْ , فَإِنَّهُمْ يُكَذِّبُونَهُ وَيَهْلِكُونَ بِتَكْذِيبِهِ كَمَا هَلَكَ مَنْ كَذَّبَ مِنْ الْأُمَم , أَمْ أَرَادَ أَنْ يُؤْمِنُوا فَيَهْتَدُوا ; فَالشَّرّ وَالرَّشَد عَلَى هَذَا الْكُفْر وَالْإِيمَان ; وَعَلَى هَذَا كَانَ عِنْدهمْ عِلْم بِمَبْعَثِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمَّا سَمِعُوا قِرَاءَته عَلِمُوا أَنَّهُمْ مُنِعُوا مِنْ السَّمَاء حِرَاسَة لِلْوَحْيِ . وَقِيلَ : لَا ; بَلْ هَذَا قَوْل قَالُوهُ لِقَوْمِهِمْ بَعْد أَنْ اِنْصَرَفُوا إِلَيْهِمْ مُنْذِرِينَ ; أَيْ لَمَّا آمَنُوا أَشْفَقُوا أَلَّا يُؤْمِن كَثِير مِنْ أَهْل الْأَرْض فَقَالُوا : إِنَّا لَا نَدْرِي أَيَكْفُرُ أَهْل الْأَرْض بِمَا آمَنَّا بِهِ أَمْ يُؤْمِنُونَ ؟
| وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُون ذَلِكَ | هَذَا مِنْ قَوْل الْجِنّ , أَيْ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ لَمَّا دَعَوْا أَصْحَابهمْ إِلَى الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَإِنَّا كُنَّا قَبْل اِسْتِمَاع الْقُرْآن مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا الْكَافِرُونَ . وَقِيلَ : | وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ | أَيْ وَمِنْ دُون الصَّالِحِينَ فِي الصَّلَاح , وَهُوَ أَشْبَه مِنْ حَمْله عَلَى الْإِيمَان وَالشِّرْك .|كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا|أَيْ فِرَقًا شَتَّى ; قَالَهُ السُّدِّيّ . الضَّحَّاك : أَدْيَانًا مُخْتَلِفَة . قَتَادَة : أَهْوَاء مُتَبَايِنَة ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>الْقَابِض الْبَاسِط الْهَادِي بِطَاعَتِهِ .......... فِي فِتْنَة النَّاس إِذْ أَهْوَاؤُهُمْ قِدَد <br>وَالْمَعْنَى : أَيْ لَمْ يَكُنْ كُلّ الْجِنّ كُفَّارًا بَلْ كَانُوا مُخْتَلِفِينَ : مِنْهُمْ كُفَّار , وَمِنْهُمْ مُؤْمِنُونَ صُلَحَاء , وَمِنْهُمْ مُؤْمِنُونَ غَيْر صُلَحَاء .</p><p>وَقَالَ الْمُسَيِّب : كُنَّا مُسْلِمِينَ وَيَهُود وَنَصَارَى وَمَجُوس . وَقَالَ السُّدِّيّ فِي قَوْله تَعَالَى : | طَرَائِق قِدَدًا | قَالَ : فِي الْجِنّ مِثْلكُمْ قَدَرِيَّة , وَمُرْجِئَة , وَخَوَارِج , وَرَافِضَة , وَشِيعَة , وَسُنِّيَّة .</p><p>وَقَالَ قَوْم : أَيْ وَإِنَّا بَعْد اِسْتِمَاع الْقُرْآن مُخْتَلِفُونَ : مِنَّا الْمُؤْمِنُونَ وَمِنَّا الْكَافِرُونَ . أَيْ وَمِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا مُؤْمِنُونَ لَمْ يَتَنَاهَوْا فِي الصَّلَاح . وَالْأَوَّل أَحْسَن ; لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْجِنّ مَنْ آمَنَ بِمُوسَى وَعِيسَى , وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا : | إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْد مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ | [ الْأَحْقَاف : 30 ] وَهَذَا يَدُلّ عَلَى إِيمَان قَوْم مِنْهُمْ بِالتَّوْرَاةِ , وَكَانَ هَذَا مُبَالَغَة مِنْهُمْ فِي دُعَاء مَنْ دَعَوْهُمْ إِلَى الْإِيمَان . وَأَيْضًا لَا فَائِدَة فِي قَوْلهمْ : نَحْنُ الْآن مُنْقَسِمُونَ إِلَى مُؤْمِن وَإِلَى كَافِر . وَالطَّرَائِق : جَمْع الطَّرِيقَة وَهِيَ مَذْهَب الرَّجُل , أَيْ كُنَّا فِرَقًا مُخْتَلِفَة . وَيُقَال : الْقَوْم طَرَائِق أَيْ عَلَى مَذَاهِب شَتَّى . وَالْقِدَد : نَحْو مِنْ الطَّرَائِق وَهُوَ تَوْكِيد لَهَا , وَاحِدهَا : قِدَّة . يُقَال : لِكُلِّ طَرِيق قِدَّة , وَأَصْلهَا مِنْ قَدّ السُّيُور , وَهُوَ قَطْعهَا ; قَالَ لَبِيد يَرْثِي أَخَاهُ أَرْبَد : <br>لَمْ تَبْلُغ الْعَيْن كُلّ نَهْمَتهَا .......... لَيْلَة تُمْسِي الْجِيَاد كَالْقِدَدِ <br>وَقَالَ آخَر : <br>وَلَقَدْ قُلْت وَزَيْد حَاسِر .......... يَوْم وَلَّتْ خَيْل عَمْرو قِدَدًا <br>وَالْقِدّ بِالْكَسْرِ : سَيْر يُقَدّ مِنْ جِلْد غَيْر مَدْبُوغ ; وَيُقَال : مَا لَهُ قِدّ وَلَا قِحْف ; فَالْقِدّ : إِنَاء مِنْ جِلْد , وَالْقِحْف : مِنْ خَشَب .
قَوْله تَعَالَى : | وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِز اللَّه فِي الْأَرْض | الظَّنّ هُنَا بِمَعْنَى الْعِلْم وَالْيَقِين , وَهُوَ خِلَاف الظَّنّ فِي قَوْله تَعَالَى : | وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُول | [ الْجِنّ : 5 ] , | وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا | [ الْجِنّ : 7 ] أَيْ عَلِمْنَا بِالِاسْتِدْلَالِ وَالتَّفَكُّر فِي آيَات اللَّه , أَنَّا فِي قَبْضَته وَسُلْطَانه , لَنْ نَفُوتهُ بِهَرَبٍ وَلَا غَيْره . و | هَرَبًا | مَصْدَر فِي مَوْضِع الْحَال أَيْ هَارِبِينَ .
| وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى | يَعْنِي الْقُرْآن | آمَنَّا بِهِ | وَبِاَللَّهِ , وَصَدَّقْنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسَالَته . وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَبْعُوثًا إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ .</p><p>قَالَ الْحَسَن : بَعَثَ اللَّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْإِنْس وَالْجِنّ , وَلَمْ يَبْعَث اللَّه تَعَالَى قَطُّ رَسُولًا مِنْ الْجِنّ , وَلَا مِنْ أَهْل الْبَادِيَة , وَلَا مِنْ النِّسَاء ; وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : | وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِك إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْل الْقُرَى | [ يُوسُف : 109 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى .</p><p>وَفِي الصَّحِيح : [ وَبُعِثْت إِلَى الْأَحْمَر وَالْأَسْوَد ] أَيْ الْإِنْس وَالْجِنّ .|فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا|قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَا يَخَاف أَنْ يُنْقَص مِنْ حَسَنَاته وَلَا أَنْ يُزَاد فِي سَيِّئَاته ; لِأَنَّ الْبَخْس النُّقْصَان</p><p>وَالرَّهَق : الْعُدْوَان وَغَشَيَان الْمَحَارِم ; قَالَ الْأَعْشَى : <br>لَا شَيْء يَنْفَعنِي مِنْ دُون رُؤْيَتهَا .......... هَلْ يَشْتَفِي وَامِق مَا لَمْ يُصِب رَهَقًا <br>الْوَامِق : الْمُحِبّ ; وَقَدْ وَمِقَهُ يَمِقهُ بِالْكَسْرِ أَيْ أَحَبَّهُ , فَهُوَ وَامِق . وَهَذَا قَوْل حَكَاهُ اللَّه تَعَالَى عَنْ الْجِنّ ; لِقُوَّةِ إِيمَانهمْ وَصِحَّة إِسْلَامهمْ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة | فَلَا يَخَاف | رَفْعًا عَلَى تَقْدِير فَإِنَّهُ لَا يَخَاف . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَيَحْيَى وَإِبْرَاهِيم | فَلَا يَخَفْ | جَزْمًا عَلَى جَوَاب الشَّرْط وَإِلْغَاء الْفَاء .
أَيْ وَأَنَّا بَعْد اِسْتِمَاع الْقُرْآن مُخْتَلِفُونَ , فَمِنَّا مَنْ أَسْلَمَ وَمِنَّا مَنْ كَفَرَ .</p><p>وَالْقَاسِط : الْجَائِر , لِأَنَّهُ عَادِل عَنْ الْحَقّ , وَالْمُقْسِط : الْعَادِل ; لِأَنَّهُ عَادِل إِلَى الْحَقّ ; يُقَال : قَسَطَ : أَيْ جَارَ , وَأَقْسَطَ : إِذَا عَدَلَ ; قَالَ الشَّاعِر : <br>قَوْم هُمْ قَتَلُوا اِبْن هِنْد عَنْوَة .......... عَمْرًا وَهُمْ قَسَطُوا عَلَى النُّعْمَان<br>|فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا|أَيْ قَصَدُوا طَرِيق الْحَقّ وَتَوَخَّوْهُ وَمِنْهُ تَحَرَّى الْقِبْلَة
أَيْ الْجَائِرُونَ عَنْ طَرِيق الْحَقّ وَالْإِيمَان|فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا|أَيْ وَقُودًا . وَقَوْله : | فَكَانُوا | أَيْ فِي عِلْم اللَّه تَعَالَى .
| وَأَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة | هَذَا مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى . أَيْ لَوْ آمَنَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار لَوَسَّعْنَا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا وَبَسَطْنَا لَهُمْ فِي الرِّزْق . وَهَذَا مَحْمُول عَلَى الْوَحْي ; أَيْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا . ذَكَرَ اِبْن بَحْر : كُلّ مَا فِي هَذِهِ السُّورَة مِنْ | إِنَّ | الْمَكْسُورَة الْمُثْقَلَة فَهِيَ حِكَايَة لِقَوْلِ الْجِنّ الَّذِينَ اِسْتَمَعُوا الْقُرْآن , فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمهمْ مُنْذِرِينَ , وَكُلّ مَا فِيهَا مِنْ أَنْ الْمَفْتُوحَة الْمُخَفَّفَة فَهِيَ وَحْي إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : وَمَنْ كَسَرَ الْحُرُوف وَفَتَحَ | وَأَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا | أَضْمَرَ يَمِينًا تَامًّا , تَأْوِيلهَا : وَاَللَّه أَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة ; كَمَا يُقَال فِي الْكَلَام : وَاَللَّه أَنْ قُمْت لَقُمْت , وَوَاللَّهِ لَوْ قُمْت قُمْت ; قَالَ الشَّاعِر : <br>أَمَّا وَاَللَّه أَنْ لَوْ كُنْت حُرًّا .......... وَمَا بِالْحُرِّ أَنْتَ وَلَا الْعَتِيق <br>وَمَنْ فَتَحَ مَا قَبْل الْمُخَفَّفَة نَسَقهَا - أَعْنِي الْخَفِيفَة - عَلَى | أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ | , | وَأَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا | أَوْ عَلَى | آمَنَّا بِهِ | وَبِأَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا . وَيَجُوز لِمَنْ كَسَرَ الْحُرُوف كُلّهَا إِلَى | أَنْ | الْمُخَفَّفَة , أَنْ يَعْطِف الْمُخَفَّفَة عَلَى | أُوحِيَ إِلَيَّ | أَوْ عَلَى | آمَنَّا بِهِ | , وَيَسْتَغْنِي عَنْ إِضْمَار الْيَمِين . وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِكَسْرِ الْوَاو مِنْ | لَوْ | لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ , وَقَرَأَ اِبْن وَثَّاب وَالْأَعْمَش بِضَمِّ الْوَاو .</p><p>وَ | مَاء غَدَقًا | أَيْ وَاسِعًا كَثِيرًا , وَكَانُوا قَدْ حُبِسَ عَنْهُمْ الْمَطَر سَبْع سِنِينَ ; يُقَال : غَدَقَتْ الْعَيْن تَغْدِق , فَهِيَ غَدِقَة , إِذَا كَثُرَ مَاؤُهَا . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْخَلْق كُلّهمْ أَيْ | لَوْ اِسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة | طَرِيقَة الْحَقّ وَالْإِيمَان وَالْهُدَى وَكَانُوا مُؤْمِنِينَ مُطِيعِينَ | لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاء غَدَقًا | أَيْ كَثِيرًا فَمَعْنَى | لَأَسْقَيْنَاهُمْ | لَوَسَّعْنَا عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا ; وَضَرَبَ الْمَاء الْغَدَق الْكَثِير لِذَلِكَ مَثَلًا ; لِأَنَّ الْخَيْر وَالرِّزْق كُلّه بِالْمَطَرِ يَكُون , فَأُقِيمَ مُقَامه ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنْ السَّمَاء وَالْأَرْض | [ الْأَعْرَاف : 96 ] وَقَوْله تَعَالَى : | وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ | [ الْمَائِدَة : 66 ] أَيْ بِالْمَطَرِ . وَاَللَّه أَعْلَم .
أَيْ لِنَخْتَبِرهُمْ كَيْفَ شُكْرهمْ فِيهِ عَلَى تِلْكَ النِّعَم . وَقَالَ عُمَر فِي هَذِهِ الْآيَة : أَيْنَمَا كَانَ الْمَاء كَانَ الْمَال , وَأَيْنَمَا كَانَ الْمَال كَانَتْ الْفِتْنَة .</p><p>وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَمُقَاتِل وَعَطِيَّة وَعُبَيْد بْن عُمَيْر وَالْحَسَن : كَانَ وَاَللَّه أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ , فَفُتِحَتْ عَلَيْهِمْ كُنُوز كِسْرَى وَقَيْصَر وَالْمُقَوْقِس وَالنَّجَاشِيّ , فَفُتِنُوا بِهَا , فَوَثَبُوا عَلَى إِمَامهمْ فَقَتَلُوهُ . يَعْنِي عُثْمَان بْن عَفَّان .</p><p>وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَغَيْره : | وَأَنْ لَوْ اِسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَة | الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا مِنْ الْكُفْر فَكَانُوا كُلّهمْ كُفَّارًا لَوَسَّعْنَا أَرْزَاقهمْ مَكْرًا بِهِمْ وَاسْتِدْرَاجًا لَهُمْ , حَتَّى يُفْتَتَنُوا بِهَا , فَنُعَذِّبهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة . وَهَذَا قَوْل قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس وَزَيْد بْن أَسْلَمَ وَابْنه وَالْكَلْبِيّ وَالثُّمَالِيّ وَيَمَان بْن رَبَاب وَابْن كَيْسَان وَأَبُو مِجْلَز ; وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : | فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَاب كُلّ شَيْء | [ الْأَنْعَام : 44 ] الْآيَة . وَقَوْله تَعَالَى : | وَلَوْلَا أَنْ يَكُون النَّاس أُمَّة وَاحِدَة لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُر بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّة | [ الزُّخْرُف : 33 ] الْآيَة ; وَالْأَوَّل أَشْبَه ; لِأَنَّ الطَّرِيقَة مُعَرَّفَة بِالْأَلِفِ وَاللَّام , فَالْأَوْجَب أَنْ تَكُون طَرِيقَته طَرِيقَة الْهُدَى ; وَلِأَنَّ الِاسْتِقَامَة لَا تَكُون إِلَّا مَعَ الْهُدَى . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِج اللَّه لَكُمْ مِنْ زَهْرَة الدُّنْيَا ) قَالُوا : وَمَا زَهْرَة الدُّنْيَا ؟ قَالَ : ( بَرَكَات الْأَرْض ) وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَوَاَللَّهِ مَا الْفَقْر أَخْشَى عَلَيْكُمْ , وَإِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ قَبْلكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا فَتُهْلِككُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ) .|وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ|يَعْنِي الْقُرْآن ; قَالَهُ اِبْن زَيْد . وَفِي إِعْرَاضه عَنْهُ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا عَنْ الْقَبُول , إِنْ قِيلَ إِنَّهَا فِي أَهْل الْكُفْر . الثَّانِي عَنْ الْعَمَل , إِنْ قِيلَ إِنَّهَا فِي الْمُؤْمِنِينَ .</p><p>وَقِيلَ : | وَمَنْ يُعْرِض عَنْ ذِكْر رَبّه | أَيْ لَمْ يَشْكُر نِعَمَهُ|يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا|قَرَأَ الْكُوفِيُّونَ وَعَيَّاش عَنْ أَبِي عَمْرو | يَسْلُكهُ | بِالْيَاءِ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم ; لِذِكْرِ اِسْم اللَّه أَوَّلًا فَقَالَ : | وَمَنْ يُعْرِض عَنْ ذِكْر رَبّه | . الْبَاقُونَ | نَسْلُكهُ | بِالنُّونِ . وَرُوِيَ عَنْ مُسْلِم بْن جُنْدَب ضَمّ النُّون وَكَسْر اللَّام . وَكَذَلِكَ قَرَأَ طَلْحَة وَالْأَعْرَج وَهُمَا لُغَتَانِ , سَلَكَهُ وَأَسْلَكَهُ بِمَعْنًى ; أَيْ نُدْخِلهُ . | عَذَابًا صَعَدًا | أَيْ شَاقًّا شَدِيدًا .</p><p>قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ جَبَل , فِي جَهَنَّم . أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ : كُلَّمَا جَعَلُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ ذَابَتْ .</p><p>وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ الْمَعْنَى مَشَقَّة مِنْ الْعَذَاب . وَذَلِكَ مَعْلُوم فِي اللُّغَة أَنَّ الصَّعَد : الْمَشَقَّة , تَقُول : تَصَعَّدَنِي الْأَمْر : إِذَا شَقَّ عَلَيْك ; وَمِنْهُ قَوْل عُمَر : مَا تَصَعَّدَنِي شَيْء مَا تَصَعَّدَتْنِي خُطْبَة النِّكَاح , أَيْ مَا شَقَّ عَلَيَّ . وَعَذَاب صَعَد أَيْ شَدِيد . وَالصَّعَد : مَصْدَر صَعِدَ ; يُقَال : صَعِدَ صَعَدًا وَصُعُودًا , فَوُصِفَ بِهِ الْعَذَاب ; لِأَنَّهُ يَتَصَعَّد الْمُعَذَّب أَيْ يَعْلُوهُ وَيَغْلِبهُ فَلَا يُطِيقهُ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة : الصَّعَد مَصْدَر ; أَيْ عَذَابًا ذَا صَعَد , وَالْمَشْي فِي الصُّعُود يَشُقّ . وَالصَّعُود : الْعَقَبَة الْكَئُود . وَقَالَ عِكْرِمَة : هُوَ صَخْرَة مَلْسَاء فِي جَهَنَّم يُكَلَّف صُعُودهَا ; فَإِذَا اِنْتَهَى إِلَى أَعْلَاهَا حُدِرَ إِلَى جَهَنَّم .</p><p>وَقَالَ الْكَلْبِيّ : يُكَلَّف الْوَلِيد بْن الْمُغِيرَة أَنْ يَصْعَد جَبَلًا فِي النَّار مِنْ صَخْرَة مَلْسَاء , يَجْذِب مَنْ أَمَامه بِسَلَاسِل , وَيَضْرِب مَنْ خَلْفه بِمَقَامِع حَتَّى يَبْلُغ أَعْلَاهَا , وَلَا يَبْلُغ فِي أَرْبَعِينَ سَنَة . فَإِذَا بَلَغَ أَعْلَاهَا أُحْدِرَ إِلَى أَسْفَلهَا , ثُمَّ يُكَلَّف أَيْضًا صُعُودهَا , فَذَلِكَ دَأْبه أَبَدًا , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : | سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا | [ الْمُدَّثِّر : 17 ].
| أَنَّ | بِالْفَتْحِ , قِيلَ : هُوَ مَرْدُود إِلَى قَوْله تَعَالَى : | قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ | [ الْجِنّ : 1 ] أَيْ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ . وَقَالَ الْخَلِيل : أَيْ وَلِأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ .</p><p>وَالْمُرَاد الْبُيُوت الَّتِي تَبْنِيهَا أَهْل الْمِلَل لِلْعِبَادَةِ . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : قَالَتْ الْجِنّ كَيْفَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَ الْمَسَاجِد وَنَشْهَد مَعَك الصَّلَاة وَنَحْنُ نَاءُونَ عَنْك ؟ فَنَزَلَتْ : | وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ | أَيْ بُنِيَتْ لِذِكْرِ اللَّه وَطَاعَته .</p><p>وَقَالَ الْحَسَن : أَرَادَ بِهَا كُلّ الْبِقَاع ; لِأَنَّ الْأَرْض كُلّهَا مَسْجِد لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُول : [ أَيْنَمَا كُنْتُمْ فَصَلُّوا فَأَيْنَمَا صَلَّيْتُمْ فَهُوَ مَسْجِد ]</p><p>وَفِي الصَّحِيح : [ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْض مَسْجِدًا وَطَهُورًا ] .</p><p>وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَطَلْق بْن حَبِيب : أَرَادَ بِالْمَسَاجِدِ الْأَعْضَاء الَّتِي يَسْجُد عَلَيْهَا الْعَبْد , وَهِيَ الْقَدَمَانِ وَالرُّكْبَتَانِ وَالْيَدَانِ وَالْوَجْه ; يَقُول : هَذِهِ الْأَعْضَاء أَنْعَمَ اللَّه بِهَا عَلَيْك , فَلَا تَسْجُد لِغَيْرِهِ بِهَا , فَتَجْحَد نِعْمَة اللَّه .</p><p>قَالَ عَطَاء : مَسَاجِدك : أَعْضَاؤُك الَّتِي أُمِرْت أَنْ تَسْجُد عَلَيْهَا لَا تُذَلِّلهَا لِغَيْرِ خَالِقهَا .</p><p>وَفِي الصَّحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أُمِرْت أَنْ أَسْجُد عَلَى سَبْعَة أَعْظُم : الْجَبْهَة - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى أَنْفه - وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَأَطْرَاف الْقَدَمَيْنِ ) . وَقَالَ الْعَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ إِذَا سَجَدَ الْعَبْد سَجَدَ مَعَهُ سَبْعَة آرَاب ] .</p><p>وَقِيلَ : الْمَسَاجِد هِيَ الصَّلَوَات ; أَيْ لِأَنَّ السُّجُود لِلَّهِ . قَالَهُ الْحَسَن أَيْضًا . فَإِنْ جَعَلْت الْمَسَاجِد الْمَوَاضِع فَوَاحِدهَا مَسْجِد بِكَسْرِ الْجِيم , وَيُقَال بِالْفَتْحِ ; حَكَاهُ الْفَرَّاء . وَإِنْ جَعَلْتهَا الْأَعْضَاء فَوَاحِدهَا مَسْجَد بِفَتْحِ الْجِيم . وَقِيلَ : هُوَ جَمْع مَسْجَد وَهُوَ السُّجُود , يُقَال : سَجَدْت سُجُودًا وَمَسْجَدًا , كَمَا تَقُول : ضَرَبْت فِي الْأَرْض ضَرْبًا وَمَضْرَبًا بِالْفَتْحِ : إِذَا سِرْت فِي اِبْتِغَاء الرِّزْق .</p><p>وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْمَسَاجِد هُنَا مَكَّة الَّتِي هِيَ الْقِبْلَة وَسُمِّيَتْ مَكَّة الْمَسَاجِد ; لِأَنَّ كُلّ أَحَد يَسْجُد إِلَيْهَا . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَر هَذِهِ الْأَقْوَال إِنْ شَاءَ اللَّه , وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَحِمَهُ اللَّه .</p><p>قَوْله تَعَالَى : | لِلَّهِ | إِضَافَة تَشْرِيف وَتَكْرِيم , ثُمَّ خَصَّ بِالذِّكْرِ مِنْهَا الْبَيْت الْعَتِيق فَقَالَ : | وَطَهِّرْ بَيْتِيَ | [ الْحَجّ : 26 ] .</p><p>وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : [ لَا تُعْمَل الْمَطِيّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة مَسَاجِد ] الْحَدِيث خَرَّجَهُ الْأَئِمَّة . وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِيهِ .</p><p>وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : [ صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْر مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام ] .</p><p>قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيق لَا بَأْس بِهَا أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : [ صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْر مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام , فَإِنَّ صَلَاة فِيهِ خَيْر مِنْ مِائَة صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا ] وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَكَانَ نَصًّا . قُلْت : هُوَ صَحِيح بِنَقْلِ الْعَدْل عَنْ الْعَدْل حَسْب مَا بَيَّنَّاهُ فِي سُورَة | إِبْرَاهِيم | .</p><p>الْمَسَاجِد وَإِنْ كَانَتْ لِلَّهِ مِلْكًا وَتَشْرِيفًا فَإِنَّهَا قَدْ تُنْسَب إِلَى غَيْره تَعْرِيفًا ; فَيُقَال : مَسْجِد فُلَان . وَفِي صَحِيح الْحَدِيث أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْل الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاء وَأَمَدُهَا ثَنِيَّة الْوَدَاع , وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْل الَّتِي لَمْ تُضْمَر مِنْ الثَّنِيَّة إِلَى مَسْجِد بَنِي زُرَيْق . وَتَكُون هَذِهِ الْإِضَافَة بِحُكْمِ الْمَحَلِّيَّة كَأَنَّهَا فِي قِبْلَتهمْ , وَقَدْ تَكُون بِتَحْبِيسِهِمْ , وَلَا خِلَاف بَيْنَ الْأُمَّة فِي تَحْبِيس الْمَسَاجِد وَالْقَنَاطِر وَالْمَقَابِر وَإِنْ اِخْتَلَفُوا فِي تَحْبِيس غَيْر ذَلِكَ .</p><p>مَعَ أَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ لَا يُذْكَر فِيهَا إِلَّا اللَّه فَإِنَّهُ تَجُوز الْقِسْمَة فِيهَا لِلْأَمْوَالِ . وَيَجُوز وَضْع الصَّدَقَات فِيهَا عَلَى رَسْم الِاشْتِرَاك بَيْنَ الْمَسَاكِين وَكُلّ مَنْ جَاءَ أَكَلَ . وَيَجُوز حَبْس الْغَرِيم فِيهَا , وَرَبْط الْأَسِير وَالنَّوْم فِيهَا , وَسُكْنَى الْمَرِيض فِيهَا , وَفَتْح الْبَاب لِلْجَارِ إِلَيْهَا , وَإِنْشَاد الشِّعْر فِيهَا إِذَا عَرِيَ عَنْ الْبَاطِل . وَقَدْ مَضَى هَذَا كُلّه مُبَيَّنًا فِي سُورَة | التَّوْبَة | . و | النُّور | وَغَيْرهمَا .</p><p>رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِد قَدَّمَ رِجْله الْيُمْنَى . وَقَالَ : [ | وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّه أَحَدًا | اللَّهُمَّ أَنَا عَبْدك وَزَائِرك وَعَلَى كُلّ مَزُور حَقّ وَأَنْتَ خَيْر مَزُور فَأَسْأَلُك بِرَحْمَتِك أَنْ تَفُكّ رَقَبَتِي مِنْ النَّار ] فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِد قَدَّمَ رِجْله الْيُسْرَى ; وَقَالَ : [ اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيَّ الْخَيْر صَبًّا وَلَا تَنْزِع عَنِّي صَالِح مَا أَعْطَيْتنِي أَبَدًا وَلَا تَجْعَل مَعِيشَتِي كَدًّا , وَاجْعَلْ لِي فِي الْأَرْض جَدًّا ] أَيْ غِنًى .|فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا|هَذَا تَوْبِيخ لِلْمُشْرِكِينَ فِي دُعَائِهِمْ مَعَ اللَّه غَيْره فِي الْمَسْجِد الْحَرَام . وَقَالَ مُجَاهِد : كَانَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى إِذَا دَخَلُوا كَنَائِسهمْ وَبِيَعهمْ أَشْرَكُوا بِاَللَّهِ , فَأَمَرَ اللَّه نَبِيّه وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُخْلِصُوا لِلَّهِ الدَّعْوَة إِذَا دَخَلُوا الْمَسَاجِد كُلّهَا . يَقُول : فَلَا تُشْرِكُوا فِيهَا صَنَمًا وَغَيْره مِمَّا يُعْبَد . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَفْرِدُوا الْمَسَاجِد لِذِكْرِ اللَّه , وَلَا تَتَّخِذُوهَا هُزُوًا وَمَتْجَرًا وَمَجْلِسًا , وَلَا طُرُقًا , وَلَا تَجْعَلُوا لِغَيْرِ اللَّه فِيهَا نَصِيبًا .</p><p>وَفِي الصَّحِيح : [ مَنْ نَشَدَ ضَالَّة فِي الْمَسْجِد فَقُولُوا لَا رَدَّهَا اللَّه عَلَيْك فَإِنَّ الْمَسَاجِد لَمْ تُبْنَ لِهَذَا ] وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة | النُّور | مَا فِيهِ كِفَايَة مِنْ أَحْكَام الْمَسَاجِد وَالْحَمْد لِلَّهِ .</p><p>رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَانَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِد قَدَّمَ رِجْله الْيُمْنَى . وَقَالَ : [ | وَأَنَّ الْمَسَاجِد لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّه أَحَدًا | اللَّهُمَّ أَنَا عَبْدك وَزَائِرك وَعَلَى كُلّ مَزُور حَقّ وَأَنْتَ خَيْر مَزُور فَأَسْأَلُك بِرَحْمَتِك أَنْ تَفُكّ رَقَبَتِي مِنْ النَّار ] فَإِذَا خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِد قَدَّمَ رِجْله الْيُسْرَى ; وَقَالَ : [ اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيَّ الْخَيْر صَبًّا وَلَا تَنْزِع عَنِّي صَالِح مَا أَعْطَيْتنِي أَبَدًا وَلَا تَجْعَل مَعِيشَتِي كَدًّا , وَاجْعَلْ لِي فِي الْأَرْض جَدًّا ] أَيْ غِنًى .
يَجُوز الْفَتْح ; أَيْ أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ أَنَّهُ . وَيَجُوز الْكَسْر عَلَى الِاسْتِئْنَاف . و | عَبْد اللَّه | هُنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَانَ يُصَلِّي بِبَطْنِ نَخْلَة وَيَقْرَأ الْقُرْآن , حَسْب مَا تَقَدَّمَ أَوَّل السُّورَة . | يَدْعُوهُ | أَيْ يَعْبُدهُ . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : | يَدْعُوهُ | أَيْ قَامَ إِلَيْهِمْ دَاعِيًا إِلَى اللَّه تَعَالَى .|كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا|قَالَ الزُّبَيْر بْن الْعَوَّام : هُمْ الْجِنّ حِينَ اِسْتَمَعُوا الْقُرْآن مِنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَيْ كَادَ يَرْكَب بَعْضهمْ بَعْضًا اِزْدِحَامًا وَيَسْقُطُونَ , حِرْصًا عَلَى سَمَاع الْقُرْآن .</p><p>وَقِيلَ : كَادُوا يَرْكَبُونَهُ حِرْصًا ; قَالَ الضَّحَّاك . اِبْن عَبَّاس : رَغْبَة فِي سَمَاع الذِّكْر . وَرَوَى بُرْد عَنْ مَكْحُول أَنَّ الْجِنّ بَايَعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَة وَكَانُوا سَبْعِينَ أَلْفًا , وَفَرَغُوا مِنْ بَيْعَته عِنْد اِنْشِقَاق الْفَجْر . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : إِنَّ هَذَا مِنْ قَوْل الْجِنّ لَمَّا رَجَعُوا إِلَى قَوْمهمْ أَخْبَرُوهُمْ بِمَا رَأَوْا مِنْ طَاعَة أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَائْتِمَامهمْ بِهِ فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود .</p><p>وَقِيلَ : الْمَعْنَى كَادَ الْمُشْرِكُونَ يَرْكَبُونَ بَعْضهمْ بَعْضًا , حَرْدًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَابْن زَيْد : يَعْنِي | لَمَّا قَامَ عَبْد اللَّه | مُحَمَّد بِالدَّعْوَةِ تَلَبَّدَتْ الْإِنْس وَالْجِنّ عَلَى هَذَا الْأَمْر لِيُطْفِئُوهُ , وَأَبَى اللَّه إِلَّا أَنْ يَنْصُرَهُ وَيُتِمّ نُوره . وَاخْتَارَ الطَّبَرِيّ أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : كَادَتْ الْعَرَب يَجْتَمِعُونَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَتَظَاهَرُونَ عَلَى إِطْفَاء النُّور الَّذِي جَاءَ بِهِ .</p><p>وَقَالَ مُجَاهِد : قَوْله | لِبَدًا | جَمَاعَات وَهُوَ مِنْ تَلَبَّدَ الشَّيْء عَلَى الشَّيْء أَيْ تَجَمَّعَ ; وَمِنْهُ اللِّبَد الَّذِي يُفْرَش لِتَرَاكُمْ صُوفه , وَكُلّ شَيْء أَلْصَقْته إِلْصَاقًا شَدِيدًا فَقَدْ لَبَّدْته , وَجَمْع اللِّبْدَة لِبَد مِثْل قِرْبَة وَقِرَب . وَيُقَال لِلشَّعْرِ الَّذِي عَلَى ظَهْر الْأَسَد لِبْدَة وَجَمْعهَا لِبَد ; قَالَ زُهَيْر : <br>لَدَى أَسَد شَاكِي السِّلَاح مُقَذِّف .......... لَهُ لِبَد أَظْفَاره لَمْ تُقَلَّم <br>وَيُقَال لِلْجَرَادِ الْكَثِير : لِبَد وَفِيهِ أَرْبَع لُغَات وَقِرَاءَات ; فَتْح الْبَاء وَكَسْر اللَّام , وَهِيَ قِرَاءَة الْعَامَّة . وَضَمّ اللَّام وَفَتْح الْبَاء , وَهِيَ قِرَاءَة مُجَاهِد وَابْن مُحَيْصِن وَهِشَام عَنْ أَهْل الشَّام , وَاحِدَتهَا لُبْدَة . وَبِضَمِّ اللَّام وَالْبَاء , وَهِيَ قِرَاءَة أَبِي حَيْوَةَ وَمُحَمَّد بْن السَّمَيْقَع وَأَبِي الْأَشْهَب الْعُقَيْلِيّ وَالْجَحْدَرِيّ وَاحِدهَا لَبْد مِثْل سَقْف وَسُقُف وَرَهْن وَرُهُن . وَبِضَمِّ اللَّام وَشَدّ الْبَاء وَفَتْحهَا , وَهِيَ قِرَاءَة الْحَسَن وَأَبِي الْعَالِيَة وَالْأَعْرَج وَالْجَحْدَرِيّ أَيْضًا وَاحِدهَا لَابِد ; مِثْل رَاكِع وَرُكَّع , وَسَاجِد وَسُجَّد . وَقِيلَ : اللُّبَد بِضَمِّ اللَّام وَفَتْح الْبَاء الشَّيْء الدَّائِم ; وَمِنْهُ قِيلَ لِنَسْرِ لُقْمَان لُبَد لِدَوَامِهِ وَبَقَائِهِ ; قَالَ النَّابِغَة : <br>أَخْنَى عَلَيْهَا الَّذِي أَخْنَى عَلَى لُبَد <br>الْقُشَيْرِيّ : وَقُرِئَ | لُبُدًا | بِضَمِّ اللَّام وَالْبَاء , وَهُوَ جَمْع لَبِيد , وَهُوَ الْجَوْلَقُ الصَّغِير . وَفِي الصِّحَاح : [ وَقَوْله تَعَالَى ] | أَهْلَكْت مَالًا لُبَدًا | أَيْ جَمًّا .</p><p>وَيُقَال أَيْضًا : النَّاس لُبَد أَيْ مُجْتَمِعُونَ , وَاللُّبَد أَيْضًا الَّذِي لَا يُسَافِر وَلَا يَبْرَح [ مَنْزِله ] . قَالَ الشَّاعِر : <br>مِنْ اِمْرِئٍ ذِي سَمَاح لَا تَزَال لَهُ .......... بَزْلَاء يَعْيَا بِهَا الْجَثَّامَة اللُّبَد <br>وَيُرْوَى : اللِّبَد . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَهُوَ أَشْبَه .</p><p>وَالْبَزْلَاء : الرَّأْي الْجَيِّد . وَفُلَان نَهَّاض بِبَزْلَاء : إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَقُوم بِالْأُمُورِ الْعِظَام ; قَالَ الشَّاعِر : <br>إِنِّي إِذَا شَغَلَتْ قَوْمًا فُرُوجهمْ .......... رَحْب الْمَسَالِك نَهَّاض بِبَزْلَاء<br>وَلُبَد : آخِر نُسُور لُقْمَان , وَهُوَ يَنْصَرِف ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُولٍ . وَتَزْعُم الْعَرَب أَنَّ لُقْمَان هُوَ الَّذِي بَعَثَتْهُ عَاد فِي وَفْدهَا إِلَى الْحَرَم يَسْتَسْقِي لَهَا , فَلَمَّا أُهْلِكُوا خُيِّرَ لُقْمَان بَيْنَ بَقَاء سَبْع بَعَرَات سُمْر , مِنْ أَظْبٍ عُفْر , فِي جَبَل وَعْر , لَا يَمَسّهَا الْقَطْر ; أَوْ بَقَاء سَبْعَة أَنْسُر كُلَّمَا هَلَكَ نَسْر خَلَفَ بَعْده نَسْر , فَاخْتَارَ النُّسُور , وَكَانَ آخِر نُسُوره يُسَمَّى لُبَدًا , وَقَدْ ذَكَرَتْهُ الشُّعَرَاء ; قَالَ النَّابِغَة : <br>أَضْحَتْ خَلَاء وَأَمْسَى أَهْلهَا اِحْتَمَلُوا .......... أَخْنَى عَلَيْهَا الَّذِي أَخْنَى عَلَى لُبَد<br>وَاللَّبِيد : الْجُوَالِق الصَّغِير ; يُقَال : أَلْبَدْت الْقِرْبَة جَعَلْتهَا فِي لَبِيد .</p><p>وَلَبِيد : اِسْم شَاعِر مِنْ بَنِي عَامِر .
أَيْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : | إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي | | وَلَا أُشْرِك بِهِ أَحَدًا | وَكَذَا قَرَأَ أَكْثَر الْقُرَّاء | قَالَ | عَلَى الْخَبَر . وَقَرَأَ حَمْزَة وَعَاصِم | قُلْ | عَلَى الْأَمْر .
وَسَبَب نُزُولهَا أَنَّ كُفَّار قُرَيْش قَالُوا لَهُ : إِنَّك جِئْت بِأَمْرٍ عَظِيم وَقَدْ عَادَيْت النَّاس كُلّهمْ فَارْجِعْ عَنْ هَذَا فَنَحْنُ نُجِيرك ; فَنَزَلَتْ . قَوْله تَعَالَى : | قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِك لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا | أَيْ لَا أَقْدِر أَنْ أَدْفَع عَنْكُمْ ضَرًّا وَلَا أَسُوق لَكُمْ خَيْرًا .</p><p>وَقِيلَ : | لَا أَمْلِك لَكُمْ ضَرًّا | أَيْ كُفْرًا | وَلَا رَشَدًا | أَيْ هُدًى ; أَيْ إِنَّمَا عَلَيَّ التَّبْلِيغ .</p><p>وَقِيلَ : الضَّرّ : الْعَذَاب , وَالرَّشَد النَّعِيم . وَهُوَ الْأَوَّل بِعَيْنِهِ .</p><p>وَقِيلَ : الضَّرّ الْمَوْت , وَالرَّشَد الْحَيَاة .
أَيْ لَا يَدْفَع عَذَابه عَنِّي أَحَد إِنْ اِسْتَحْفَظْته ; وَهَذَا لِأَنَّهُمْ قَالُوا اُتْرُكْ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَنَحْنُ نُجِيرك . وَرَوَى أَبُو الْجَوْزَاء عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : اِنْطَلَقْت مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة الْجِنّ حَتَّى أَتَى الْحَجُون فَخَطَّ عَلَيَّ خَطًّا , ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فَازْدَحَمُوا عَلَيْهِ , فَقَالَ سَيِّد لَهُمْ يُقَال لَهُ وَرْدَان : أَنَا أَزْحُلُهُمْ عَنْك ; فَقَالَ : ( إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنْ اللَّه أَحَد ) ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ . قَالَ : وَيَحْتَمِل مَعْنَيَيْنِ أَحَدهمَا لَنْ يُجِيرَنِي مَعَ إِجَارَة اللَّه لِي أَحَد . الثَّانِي لَنْ يُجِيرنِي مِمَّا قَدَّرَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَيَّ أَحَد .|وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا|أَيْ مُلْتَجَأ أَلْجَأ إِلَيْهِ ; قَالَهُ قَتَادَة . وَعَنْهُ : نَصِيرًا وَمَوْلَى . السُّدِّيّ : حِرْزًا . الْكَلْبِيّ : مَدْخَلًا فِي الْأَرْض مِثْل السَّرَب . وَقِيلَ : وَلِيًّا وَلَا مَوْلًى . وَقِيلَ : مَذْهَبًا وَلَا مَسْلَكًا . حَكَاهُ اِبْن شَجَرَة , وَالْمَعْنَى وَاحِد ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : <br>يَا لَهْف نَفْسِي وَلَهْفِي غَيْر مُجْدِيَة .......... عَنِّي وَمَا مِنْ قَضَاء اللَّه مُلْتَحَد<br>
فَإِنَّ فِيهِ الْأَمَان وَالنَّجَاة ; قَالَهُ الْحَسَن .</p><p>وَقَالَ قَتَادَة : | إِلَّا بَلَاغًا مِنْ اللَّه | فَذَلِكَ الَّذِي أَمْلِكهُ بِتَوْفِيقِ اللَّه , فَأَمَّا الْكُفْر وَالْإِيمَان فَلَا أَمْلِكهُمَا . فَعَلَى هَذَا يَكُون مَرْدُودًا إِلَى قَوْله تَعَالَى : | قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِك لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا | أَيْ لَا أَمْلِك لَكُمْ إِلَّا أَنْ أُبَلِّغكُمْ .</p><p>وَقِيلَ : هُوَ اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع مِنْ قَوْله : | لَا أَمْلِك لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا | أَيْ إِلَّا أَنْ أُبَلِّغكُمْ أَيْ لَكِنْ أُبَلِّغكُمْ مَا أُرْسِلْت بِهِ ; قَالَهُ الْفَرَّاء .</p><p>وَقَالَ الزَّجَّاج : هُوَ مَنْصُوب عَلَى الْبَدَل مِنْ قَوْله : | مُلْتَحَدًا | أَيْ | وَلَنْ أَجِد مِنْ دُونه مُلْتَحَدًا | إِلَّا أَنْ أُبَلِّغ مَا يَأْتِينِي مِنْ اللَّه وَرِسَالَاته ; أَيْ وَمِنْ رِسَالَاته الَّتِي أَمَرَنِي بِتَبْلِيغِهَا . أَوْ إِلَّا أَنْ أُبَلِّغ عَنْ اللَّه وَأَعْمَل بِرِسَالَتِهِ , فَآخُذ نَفْسِي بِمَا أَمَرَ بِهِ غَيْرِي .</p><p>وَقِيلَ هُوَ مَصْدَر , و | لَا | بِمَعْنَى لَمْ , و | إِنْ | لِلشَّرْطِ . وَالْمَعْنَى لَنْ أَجِد مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا : أَيْ إِنْ لَمْ أُبَلِّغ رِسَالَات رَبِّي بَلَاغًا .|وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا|| وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ | فِي التَّوْحِيد وَالْعِبَادَة .</p><p>| فَإِنَّ لَهُ نَار جَهَنَّم | كُسِرَتْ إِنَّ ; لِأَنَّ مَا بَعْد فَاء الْجَزَاء مَوْضِع اِبْتِدَاء وَقَدْ تَقَدَّمَ .</p><p>|خَالِدِينَ فِيهَا | نُصِبَ عَلَى الْحَال , وَجُمِعَ | خَالِدِينَ | لِأَنَّ الْمَعْنَى لِكُلِّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ , فَوَحَّدَ أَوَّلًا لِلَفْظِ | مَنْ | ثُمَّ جَمَعَ لِلْمَعْنَى .</p><p>وَقَوْله | أَبَدًا | دَلِيل عَلَى أَنَّ الْعِصْيَان هُنَا هُوَ الشِّرْك . وَقِيلَ : هُوَ الْمَعَاصِي غَيْر الشِّرْك , وَيَكُون مَعْنَى | خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا | إِلَّا أَنْ أَعْفُوَ أَوْ تَلْحَقهُمْ شَفَاعَة , وَلَا مَحَالَة إِذَا خَرَجُوا مِنْ الدُّنْيَا عَلَى الْإِيمَان يَلْحَقهُمْ الْعَفْو . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى مُبَيَّنًا فِي سُورَة | النِّسَاء | وَغَيْرهَا .
| حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ | | حَتَّى | هُنَا مُبْتَدَأ , أَيْ | حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ | مِنْ عَذَاب الْآخِرَة , أَوْ مَا يُوعَدُونَ مِنْ عَذَاب الدُّنْيَا , وَهُوَ الْقَتْل بِبَدْرٍ | فَسَيَعْلَمُونَ | حِينَئِذٍ | مَنْ أَضْعَف نَاصِرًا | أَهُمْ أَمْ الْمُؤْمِنُونَ . | وَأَقَلّ عَدَدًا | مَعْطُوف .
يَعْنِي قِيَام السَّاعَة . وَقِيلَ : عَذَاب الدُّنْيَا ; أَيْ لَا أَدْرِي | فَإِنْ | بِمَعْنَى | مَا | أَوْ | لَا | ; أَيْ لَا يَعْرِف وَقْت نُزُول الْعَذَاب وَوَقْت قِيَام السَّاعَة إِلَّا اللَّه ; فَهُوَ غَيْب لَا أَعْلَم مِنْهُ إِلَّا مَا يُعَرِّفُنِيهِ اللَّه . و | مَا | فِي قَوْله : | مَا يُوعَدُونَ | ) : يَجُوز [ أَنْ يَكُون مَعَ الْفِعْل مَصْدَرًا , وَيَجُوز ] أَنْ تَكُون بِمَعْنَى الَّذِي وَيُقَدَّر حَرْف الْعَائِد .|أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا|أَيْ غَايَة وَأَجَلًا . وَقَرَأَ الْعَامَّة بِإِسْكَانِ الْيَاء مِنْ رَبِّي . وَقَرَأَ الْحِرْمِيَان وَأَبُو عَمْرو بِالْفَتْحِ .
|عَالِم الْغَيْب | |عَالِم | رَفْعًا نَعْتًا لِقَوْلِهِ : | رَبِّي | . وَقِيلَ : أَيْ هُوَ | عَالِم الْغَيْب | وَالْغَيْب مَا غَابَ عَنْ الْعِبَاد . الْغَيْب فِي كَلَام الْعَرَب كُلّ مَا غَابَ عَنْك , وَهُوَ مِنْ ذَوَات الْيَاء يُقَال مِنْهُ : غَابَتْ الشَّمْس تَغِيب ; وَالْغِيبَة مَعْرُوفَة . وَأَغَابَتْ الْمَرْأَة فَهِيَ مُغِيبَة إِذَا غَابَ عَنْهَا زَوْجهَا , وَوَقَعْنَا فِي غِيبَة وَغَيَابَة , أَيْ هَبْطَة مِنْ الْأَرْض ; وَالْغَيَابَة : الْأَجَمَة , وَهِيَ جِمَاع الشَّجَر يُغَاب فِيهَا , وَيُسَمَّى الْمُطَمْئِنّ مِنْ الْأَرْض : الْغَيْب , لِأَنَّهُ غَابَ عَنْ الْبَصَر .</p><p>وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي تَأْوِيل الْغَيْب هُنَا ; فَقَالَتْ فِرْقَة : الْقَضَاء وَالْقَدَر . وَقَالَ آخَرُونَ : الْقُرْآن وَمَا فِيهِ مِنْ الْغُيُوب . وَقَالَ آخَرُونَ : الْغَيْب كُلّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَام مِمَّا لَا تَهْتَدِي إِلَيْهِ الْعُقُول مِنْ أَشْرَاط السَّاعَة وَعَذَاب الْقَبْر وَالْحَشْر وَالنَّشْر وَالصِّرَاط وَالْمِيزَان وَالْجَنَّة وَالنَّار . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذِهِ الْأَقْوَال لَا تَتَعَارَض بَلْ يَقَع الْغَيْب عَلَى جَمِيعهَا .</p><p>قُلْت : وَهَذَا الْإِيمَان الشَّرْعِيّ الْمُشَار إِلَيْهِ فِي حَدِيث جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام حِينَ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَان . قَالَ : ( أَنْ تُؤْمِن بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَته وَكُتُبه وَرُسُله وَالْيَوْم الْآخِر وَتُؤْمِن بِالْقَدَرِ خَيْره وَشَرّه ) . قَالَ : صَدَقْت . وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : مَا آمَنَ مُؤْمِن أَفْضَل مِنْ إِيمَان بِغَيْبٍ , ثُمَّ قَرَأَ : | الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ | [ الْبَقَرَة : 3 ] .</p><p>قُلْت : وَفِي التَّنْزِيل : | وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ | [ الْأَعْرَاف : 7 ] وَقَالَ : | الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهمْ بِالْغَيْبِ | [ الْأَنْبِيَاء : 49 ] فَهُوَ سُبْحَانَهُ غَائِب عَنْ الْأَبْصَار , غَيْر مَرْئِيّ فِي هَذِهِ الدَّار , غَيْر غَائِب بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَال ; فَهُمْ يُؤْمِنُونَ أَنَّ لَهُمْ رَبًّا قَادِرًا يُجَازِي عَلَى الْأَعْمَال , فَهُمْ يَخْشَوْنَهُ فِي سَرَائِرهمْ وَخَلَوَاتهمْ الَّتِي يَغِيبُونَ فِيهَا عَنْ النَّاس , لِعِلْمِهِمْ بِاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِمْ , وَعَلَى هَذَا تَتَّفِق الْآي وَلَا تَتَعَارَض , وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقِيلَ : | بِالْغَيْبِ | أَيْ بِضَمَائِرِهِمْ وَقُلُوبهمْ بِخِلَافِ الْمُنَافِقِينَ ; وَهَذَا قَوْل حَسَن . وَقَالَ الشَّاعِر : <br>وَبِالْغَيْبِ آمَنَّا وَقَدْ كَانَ قَوْمنَا .......... يُصَلُّونَ لِلْأَوْثَانِ قَبْل مُحَمَّد<br>
|إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُول | فَإِنَّهُ يُظْهِرهُ عَلَى مَا يَشَاء مِنْ غَيْبِهِ ; لِأَنَّ الرُّسُل مُؤَيَّدُونَ بِالْمُعْجِزَاتِ , وَمِنْهَا الْإِخْبَار عَنْ بَعْض الْغَائِبَات ; وَفِي التَّنْزِيل : | وَأُنَبِّئكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتكُمْ | [ آل عِمْرَان : 49 ] .</p><p>وَقَالَ اِبْن جُبَيْر : | إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى مِنْ رَسُول | هُوَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَفِيهِ بُعْد , وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُون الْمَعْنَى : أَيْ لَا يُظْهِر عَلَى غَيْبه إِلَّا مَنْ اِرْتَضَى أَيْ اِصْطَفَى لِلنُّبُوَّةِ , فَإِنَّهُ يُطْلِعهُ عَلَى مَا يَشَاء مِنْ غَيْبه : لِيَكُونَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى نُبُوَّته .</p><p>قَالَ الْعُلَمَاء رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ : لَمَّا تَمَدَّحَ سُبْحَانَهُ بِعِلْمِ الْغَيْب وَاسْتَأْثَرَ من هنا بما يرضي الله وتعست الشركة بِهِ دُونَ خَلْقه , كَانَ فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْلَم الْغَيْب أَحَد سِوَاهُ , ثُمَّ اِسْتَثْنَى مَنْ اِرْتَضَاهُ مِنْ الرُّسُل , فَأَوْدَعَهُمْ مَا شَاءَ مِنْ غَيْبه بِطَرِيقِ الْوَحْي إِلَيْهِمْ , وَجَعَلَهُ مُعْجِزَة لَهُمْ وَدَلَالَة صَادِقَة عَلَى نُبُوَّتهمْ . وَلَيْسَ الْمُنَجِّم وَمَنْ ضَاهَاهُ مِمَّنْ يَضْرِب بِالْحَصَى وَيَنْظُر فِي الْكُتُب وَيَزْجُر بِالطَّيْرِ مِمَّنْ اِرْتَضَاهُ مِنْ رَسُول فَيُطْلِعهُ عَلَى مَا يَشَاء مِنْ غَيْبه , بَلْ هُوَ كَافِر بِاَللَّهِ مُفْتَرٍ عَلَيْهِ بِحَدْسِهِ وَتَخْمِينه وَكَذِبه .</p><p>قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء : وَلَيْتَ شِعْرِي مَا يَقُول الْمُنَجِّم فِي سَفِينَة رَكِبَ فِيهَا أَلْف إِنْسَان عَلَى اِخْتِلَاف أَحْوَالهمْ , وَتَبَايُن رُتَبهمْ , فِيهِمْ الْمَلِك وَالسُّوقَة , وَالْعَالِم وَالْجَاهِل , وَالْغَنِيّ وَالْفَقِير , وَالْكَبِير وَالصَّغِير , مَعَ اِخْتِلَاف طَوَالِعهمْ , وَتَبَايُن مَوَالِيدهمْ , وَدَرَجَات نُجُومهمْ ; فَعَمَّهُمْ حُكْم الْغَرَق فِي سَاعَة وَاحِدَة ؟ فَإِنْ قَالَ الْمُنَجِّم قَبَّحَهُ اللَّه : إِنَّمَا أَغْرَقَهُمْ الطَّالِع الَّذِي رَكِبُوا فِيهِ , فَيَكُون عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الطَّالِع أَبْطَلَ أَحْكَام تِلْكَ الطَّوَالِع كُلّهَا عَلَى اِخْتِلَافهَا عِنْد وِلَادَة كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ , وَمَا يَقْتَضِيه طَالِعه الْمَخْصُوص بِهِ , فَلَا فَائِدَة أَبَدًا فِي عَمَل الْمَوَالِيد , وَلَا دَلَالَة فِيهَا عَلَى شَقِيّ وَلَا سَعِيد , وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مُعَانَدَة الْقُرْآن الْعَظِيم . وَفِيهِ اِسْتِحْلَال دَمه عَلَى هَذَا التَّنْجِيم , وَلَقَدْ أَحْسَنَ الشَّاعِر حَيْثُ قَالَ : <br>حَكَمَ الْمُنَجِّم أَنَّ طَالِع مَوْلِدِي .......... يَقْضِي عَلَيَّ بِمِيتَةِ الْغَرَق <br><br>قُلْ لِلْمُنَجِّمِ صُبْحَة الطُّوفَان هَلْ .......... وُلِدَ الْجَمِيع بِكَوْكَبِ الْغَرَق<br>وَقِيلَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ لَمَّا أَرَادَ لِقَاء الْخَوَارِج : أَتَلْقَاهُمْ وَالْقَمَر فِي الْعَقْرَب ؟ فَقَالَ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : فَأَيْنَ قَمَرهمْ ؟ وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِر الشَّهْر . فَانْظُرْ إِلَى هَذِهِ الْكَلِمَة الَّتِي أَجَابَ بِهَا , وَمَا فِيهَا مِنْ الْمُبَالَغَة فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ يَقُول بِالتَّنْجِيمِ , وَالْإِفْحَام لِكُلِّ جَاهِل يُحَقِّق أَحْكَام النُّجُوم . وَقَالَ لَهُ مُسَافِر بْن عَوْف : يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ ! لَا تَسِرْ فِي هَذِهِ السَّاعَة وَسِرْ فِي ثَلَاث سَاعَات يَمْضِينَ مِنْ النَّهَار . فَقَالَ لَهُ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : وَلِمَ ؟ قَالَ : إِنَّك إِنْ سِرْت فِي هَذِهِ السَّاعَة أَصَابَك وَأَصَابَ أَصْحَابك بَلَاء وَضُرّ شَدِيد , وَإِنْ سِرْت فِي السَّاعَة الَّتِي أَمَرْتُك بِهَا ظَفِرْت وَظَهَرْت وَأَصَبْت مَا طَلَبْت . فَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَجِّم , وَلَا لَنَا مِنْ بَعْده - مِنْ كَلَام طَوِيل يُحْتَجّ فِيهِ بِآيَاتٍ مِنْ التَّنْزِيل - فَمَنْ صَدَّقَك فِي هَذَا الْقَوْل لَمْ آمَنْ عَلَيْهِ أَنْ يَكُون كَمَنْ اِتَّخَذَ مِنْ دُون اللَّه نِدًّا أَوْ ضِدًّا , اللَّهُمَّ لَا طَيْر إِلَّا طَيْرك , وَلَا خَيْر إِلَّا خَيْرك . ثُمَّ قَالَ لِلْمُتَكَلِّمِ : نُكَذِّبك وَنُخَالِفك وَنَسِير فِي السَّاعَة الَّتِي تَنْهَانَا عَنْهَا . ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاس فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاس إِيَّاكُمْ وَتَعَلُّم النُّجُوم إِلَّا مَا تَهْتَدُونَ بِهِ فِي ظُلُمَات الْبَرّ وَالْبَحْر ; وَإِنَّمَا الْمُنَجِّم كَالسَّاحِرِ , وَالسَّاحِر كَالْكَافِرِ , وَالْكَافِر فِي النَّار , وَاَللَّه لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّك تَنْظُر فِي النُّجُوم وَتَعْمَل بِهَا لَأُخَلِّدَنَّكَ فِي الْحَبْس مَا بَقِيتُ وَبَقِيتَ , وَلَأَحْرِمَنَّكَ الْعَطَاء مَا كَانَ لِي سُلْطَان . ثُمَّ سَافَرَ فِي السَّاعَة الَّتِي نَهَاهُ عَنْهَا , وَلَقِيَ الْقَوْم فَقَتَلَهُمْ وَهِيَ وَقْعَة النَّهْرَوَان الثَّابِتَة فِي الصَّحِيح لِمُسْلِمٍ . ثُمَّ قَالَ : لَوْ سِرْنَا فِي السَّاعَة الَّتِي أُمِرْنَا بِهَا وَظَفِرْنَا وَظَهَرْنَا لَقَالَ قَائِل سَارَ فِي السَّاعَة الَّتِي أَمَرَ بِهَا الْمُنَجِّم , مَا كَانَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَجِّم وَلَا لَنَا مِنْ بَعْده , فَتَحَ اللَّه عَلَيْنَا بِلَاد كِسْرَى وَقَيْصَر وَسَائِر الْبُلْدَان - ثُمَّ قَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس ! تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّه وَثِقُوا بِهِ ; فَإِنَّهُ يَكْفِي مِمَّنْ سِوَاهُ .|فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا|يَعْنِي مَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ عَنْ أَنْ يَقْرَب مِنْهُ شَيْطَان ; فَيَحْفَظ الْوَحْي مِنْ اِسْتِرَاق الشَّيَاطِين وَالْإِلْقَاء إِلَى الْكَهَنَة . قَالَ الضَّحَّاك : مَا بَعَثَ اللَّه نَبِيًّا إِلَّا وَمَعَهُ مَلَائِكَة يَحْرُسُونَهُ مِنْ الشَّيَاطِين عَنْ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِصُورَةِ الْمَلَك , فَإِذَا جَاءَهُ شَيْطَان فِي صُورَة الْمَلَك قَالُوا : هَذَا شَيْطَان فَاحْذَرْهُ . وَإِنْ جَاءَهُ الْمَلَك قَالُوا : هَذَا رَسُول رَبّك .</p><p>وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن زَيْد : | رَصَدًا | أَيْ حَفَظَة يَحْفَظُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمَامه وَوَرَائِهِ مِنْ الْجِنّ وَالشَّيَاطِين . قَالَ قَتَادَة وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب : هُمْ أَرْبَعَة مِنْ الْمَلَائِكَة حَفَظَة .</p><p>وَقَالَ الْفَرَّاء : الْمُرَاد جِبْرِيل ; كَانَ إِذَا نَزَلَ بِالرِّسَالَةِ نَزَلَتْ مَعَهُ مَلَائِكَة يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَنْ تَسْتَمِع الْجِنّ الْوَحْي , فَيُلْقُوهُ إِلَى كَهَنَتهمْ , فَيَسْبِقُوا الرَّسُول .</p><p>وَقَالَ السُّدِّيّ : | رَصَدًا | أَيْ حَفَظَة يَحْفَظُونَ الْوَحْي , فَمَا جَاءَ مِنْ عِنْد اللَّه قَالُوا : إِنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه , وَمَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَان قَالُوا : إِنَّهُ مِنْ الشَّيْطَان . و | رَصَدًا | نُصِبَ عَلَى الْمَفْعُول .</p><p>وَفِي الصِّحَاح : وَالرَّصَد الْقَوْم يَرْصُدُونَ كَالْحَرَسِ , يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالْجَمْع وَالْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث وَرُبَّمَا قَالُوا أَرْصَادًا . وَالرَّاصِد لِلشَّيْءِ الرَّاقِب لَهُ ; يُقَال : رَصَدَهُ يَرْصُدهُ رَصْدًا وَرَصَدًا . وَالتَّرَصُّد التَّرَقُّب وَالْمَرْصَد مَوْضِع الرَّصْد .
| لِيَعْلَم | قَالَ قَتَادَة وَمُقَاتِل : أَيْ لِيَعْلَم مُحَمَّد أَنَّ الرُّسُل قَبْله قَدْ أَبْلَغُوا الرِّسَالَة كَمَا بَلَّغَ هُوَ الرِّسَالَة . وَفِيهِ حَذْف يَتَعَلَّق بِهِ اللَّام ; أَيْ أَخْبَرْنَاهُ بِحِفْظِنَا الْوَحْي لِيَعْلَم أَنَّ الرُّسُل قَبْله كَانُوا عَلَى مِثْل حَالَته مِنْ التَّبْلِيغ بِالْحَقِّ وَالصِّدْق .</p><p>وَقِيلَ : لِيَعْلَم مُحَمَّد أَنْ قَدْ أَبْلَغَ جِبْرِيل وَمَنْ مَعَهُ إِلَيْهِ رِسَالَة رَبّه ; قَالَ اِبْن جُبَيْر . قَالَ : وَلَمْ يَنْزِل الْوَحْي إِلَّا وَمَعَهُ أَرْبَعَة حَفَظَة مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَيْهِمْ السَّلَام . وَقِيلَ : لِيَعْلَم الرُّسُل أَنَّ الْمَلَائِكَة بَلَّغُوا رِسَالَات رَبّهمْ .</p><p>وَقِيلَ : لِيَعْلَم الرَّسُول أَيّ رَسُول كَانَ أَنَّ الرُّسُل سِوَاهُ بَلَّغُوا .</p><p>وَقِيلَ : أَيْ لِيَعْلَم إِبْلِيس أَنَّ الرُّسُل قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَات رَبّهمْ سَلِيمَة مِنْ تَخْلِيطه وَاسْتِرَاق أَصْحَابه .</p><p>وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : أَيْ لِيَعْلَم الْجِنّ أَنَّ الرُّسُل قَدْ بَلَّغُوا مَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَكُونُوا هُمْ الْمُبَلِّغِينَ بِاسْتِرَاقِ السَّمْع عَلَيْهِمْ .</p><p>وَقَالَ مُجَاهِد : لِيَعْلَم مَنْ كَذَّبَ الرُّسُل أَنَّ الْمُرْسَلِينَ قَدْ بَلَّغُوا رِسَالَات رَبّهمْ . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة | لِيَعْلَم | بِفَتْحِ الْيَاء وَتَأْوِيله مَا ذَكَرْنَاهُ . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَحُمَيْد وَيَعْقُوب بِضَمِّ الْيَاء أَيْ لِيَعْلَم النَّاس أَنَّ الرُّسُل قَدْ أَبْلَغُوا .</p><p>وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ لِيَعْلَم اللَّه أَنَّ رُسُله قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاته بِفَتْحِ الْيَاء ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : | وَلَمَّا يَعْلَم اللَّه الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَم الصَّابِرِينَ | [ آل عِمْرَان : 142 ] الْمَعْنَى لِيَعْلَم اللَّه ذَلِكَ عِلْم مُشَاهَدَة كَمَا عَلِمَهُ غَيْبًا .|وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ|أَيْ أَحَاطَ عِلْمه بِمَا عِنْدهمْ , أَيْ بِمَا عِنْد الرُّسُل وَمَا عِنْد الْمَلَائِكَة . وَقَالَ اِبْن جُبَيْر : الْمَعْنَى : لِيَعْلَم الرُّسُل أَنَّ رَبّهمْ قَدْ أَحَاطَ عِلْمه بِمَا لَدَيْهِمْ , فَيُبَلِّغُوا رِسَالَاته .|وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا|أَيْ أَحَاطَ بِعَدَدِ كُلّ شَيْء وَعَرَفَهُ وَعَلِمَهُ فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء . و | عَدَدًا | نُصِبَ عَلَى الْحَال , أَيْ أَحْصَى كُلّ شَيْء فِي حَال الْعَدَد , وَإِنْ شِئْت عَلَى الْمَصْدَر , أَيْ أَحْصَى وَعَدَّ كُلّ شَيْء عَدَدًا , فَيَكُون مَصْدَر الْفِعْل الْمَحْذُوف . فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْمُحْصِي الْمُحِيط الْعَالِم الْحَافِظ لِكُلِّ شَيْء وَقَدْ بَيَّنَّا جَمِيعه فِي الْكِتَاب الْأَسْنَى , فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى